المجلةشخصية العدد

هل المطلوب أن أصدِّق واسيني الأعرج وأكذِّب أنطون سعاده؟!

هل المطلوب أن أصدِّق واسيني الأعرج وأكذِّب أنطون سعاده؟!

أ. مكرم غصوب

 

“أتمنّى أن يأتي بعد موتي من ينصفني”.

معنونة بقول مي زياده هذا، وصلتني دعوة المعهد الأنطوني في العام 2024 من طالبة اتّخذت الأديبة النهضوية موضوعاً لرسالتها في الجامعة، فذهبت لأستزيد.

تيقنت أنّ الندوة ستنصف فيلسوف الفريكه أمين الريحاني، وأنا من أبنائها، خاصّة أنّ الأمين المؤتمن على إرث الريحاني، الدكتور أمين ألبرت الريحاني، قد ورد اسمه في الدعوة من بين أسماء المنتدين. ولا شكّ أنّ كلمة من قال كلمته ومشى، قد فعلت في حياة ميّ زياده وتركت أثرها العميق.

فالأمين كما الفريكه، قد أنصفا مي في حياتها، منذ أن زارته فيها بعد أن قرأت “الريحانيات”، هابطة من ضيعة أنطون سعاده ضهور الشوير حيث كانت تصطاف الفتاة العشرينيّة وأهلها، لتدخل البيت الذي أضرم فيه الريحاني ناراً تدفئ وتنير، وتزعج كذلك الأبصار بشررها ودخانها، وتهبط الوادي، تستشف مواطن الوحي فيه.

رافقت مي المحافظة على درة الإيمان والتي قابلت رئيس الكنيسة الأكبر ست مرّات، ناسك الوادي المتّهم بالكفر والإلحاد، ومشت معه في وعر من الطريق، إلى منعطف في الوادي، فوقفا على الصخرة التي آوت المنبوذ الهارب من حظيرة الإيمان في غارها إبّان العاصفة وتأملا معاً وادي الفريكه المهيب العميق الجميل، كثير الزوايا والأسرار، بنهره المُتجدّد، وأشجاره العميقة الجذور في الصّخر والتراب، وأزهاره الهاربة من خيال إلهٍ أشكالاً وألواناً وعطوراً، وطيوره الحاملة في خفق أجنحتها كلّ الأسئلة الوجوديّة.

تأمّلا معاً “أبرشية الفريكه” في واد بقممه الباذخة تجسّد في الريحاني كما وصفته مي في رسالتها إلى الريحاني المؤرّخة في 20 حزيران 1921. هي التي رغم ما قاسته في سنينها الأخيرة من العذاب الروحي والألم الروحي والجسدي ومن الحزن الذي يولّده الاضطهاد والجور، في الناس، لم تفقد إيمانها بالله ولم تفقد إيمانها بالحياة، وبالمبدأ الإلهي الذي يثير الحياة في أجمل مظاهرها، ويجعلها في أحطّها وأظلمها شيئاً يرثى له ولا ينبذ، على حدّ قول الريحاني حين روى الريحاني قصته مع مي. ويكمل في سرده القصة مضيئاً على فكر مي قائلاً: “ولقد جاءتنا بالبرهان على ذلك والدليل في محاضرتها الأخيرة في الجامعة الأميركيّة – رسالة الأديب إلى العالم العربي، بل إلى العالم على الإطلاق. فإنّك لتراها في هذه المحاضرة حريصة على مشعال العبقريّة، كما هي حريصة على قدسيّة التبعة التي تصحب العبقريّة”.

محاضرة مي في الجامعة الأميركيّة كانت فكرة أمين الريحاني لتثبت للعالم أجمع أن كلّ ما نسب إليها من اتهامات بالجنون محض افتراء، الأمر الذي استشفه الأخير حين زارها في العصفورية فوجد مي في زيارته الثانية، لأنّها عاتبته بصمتها على تأخره في زيارته الأولى، تسرد ما حصل معها بلغة صحيحة فصيحة بليغة منتخبة ألفاظها الأدبيّة معتذرة عن الألفاظ الغليظة. فبعد حديثها الفصيح البليغ المتزن المتصل المتماسك الذي لا شذوذ فيه ولا تشويش ولا إبهام سألها، لم أنت هنا؟ لم لا تنهضين فترتدين ثيابك وتخرجين من المستشفى؟ وعمل جاهداً لإخراجها من العصفوريّة، مستأجراً لها بيتاً مقابل بيته في الفريكه، أمضت فيه أجمل أيّامها بعد المحنة على تخوم الوادي وكتبت في رسالتها إلى الأمين في 11 تموز من العام 1939، “وهل في وسعي، وأنا في مصر، أن لا أتجرّد الساعة –مرغمة- من الشعور بوجودي هنا لأحسّ أنّي في قريتكم الخالدة مقيمة، أجلس على سطيحة عمو أبو سلمون وظهري إلى صنين والبحر وجهتي أشهد عنده وداع الشمس لهذه الناحية من الأرض على وقع رنين الأجراس. وإنّي الآن فعلاً هناك، أعيش تلك الثواني على مهل، وفي كلّ ثانية من المتعة الفنيّة وحريّة الحركة ما يملأ عاماً بطوله.(…) أصحيح أنّي قضيت ثلاثة أعوام في لبنان المحبوب، وأنّي عانيت فيه ما عانيت ممن عانيت وحيث عانيت، وأنّي أنقذني بعدئذ المنقذون. وإنّي حللت في رأس بيروت شهوراً واصطافت في الفريكة شهوراً، متقلبة في شتيت الغمرات حتّى لكأنّي منها في بحر متلاطم؟” خاتمة رسالتها بسلامها لأهل الفريكة رجالاً ونساءً وشيوخاً وشباناً وأطفالاً.

أنصف الريحاني مي زياده في حياتها وخاصة في محنتها وبعد رحيلها، هي التي طلبت منه ممازحة في إحدى رسائلها في العام 1920 أن يتحضّر الشاعر فيه لرثاء الفتاة السمراء وحيدة أبويها، التي سعدت منذ ثمانية أعوام بزيارة الوادي الجليل المهيب منبت الريحاني وجلست على صخرة من صخوره لتصغي إلى وصف “وادي الفريكة” في حضرة الواصف الذي كان هو كذلك يصغي مفكّراً كئيباً.

قال الريحاني كلمته ومشى قبل أن تسلك مي دربه بعد عام ونيف، لم يرثها في كلمته كما طلبت ولكنه أنصفها بعد مماتها، في كتابه “قصّتي مع مي” الذي سرد فيه الحقائق مرفقة بالمستندات والذي، لصدقه مع ذاته، استهل الكتاب معترفاً بذنبه وتقصيره عن واجب الصداقة المقدّس لمدة سنة وبضعة أشهر، معترفاً بتصديقه الإشاعات المحزنة ما دفعه للإمساك عن زيارتها في المستشفى واستطلاع حقيقة حالها. وكتب مستغفراً: “أمسكت عن الزيارة وأنا أبرر عملي بما تطوّر من مزاجي. فإنّي في مواصلة العاقلين قليل الرغبة. فكيف بي في مواصلة غير العاقلين؟ إنّ الروح مصدر الصداقة، وإنّ العقل مختلط اختلاطاً قاهراً بالروح، فمتى ذهب العقل ذهب خير ما في الروح كذلك. قلت هذا في نفسي ورضيت بتفلسفي، وأنا مع ذلك أحمل وزر الصداقة وذكراها، وأقف في بعض الأحايين مفكراً عن تقاعدي عن الواجب المألوف، فيزعجني الفكر ويؤلمني”.

من بين المنقذين فيلسوف آخر من بلادي، هو أيضاً كتب قصته مع مي. إنّه أنطون سعاده، الذي كان جالساً في الصفّ الأمامي في الجامعة الأميركية يستمع ويتأمل الأديبة النهضوية مجسدة مفهومه للإبداع. فالإبداع، كما عرّفه سعاده، هو مقدرة ذاتيّة روحيّة فكريّة تتغلّب بقوّتها وبفاعليتها على كلّ صعوبة وتنتصر بالرغم من الصعوبات لا بسبب الصعوبات.

ويروي عبدالله قبرصي، المحامي الذي شارك في إنقاذ مي، في كتابه “عبدالله قبرصي يتذكر” كيف غضب سعاده وتبنّى قضية مي فوراً حين أخبره عن وضعها وكيف رافقه إلى النائب العام الاستئنافي لتقديم إخبار من أجل تعيين لجنة من الأطبّاء لمعاينة مي وإثبات صحة عقلها وإدراكها، ومن ثم كيف عبّأ سعاده الرأي العام بواسطة جريدة “النهضة” والعديد من أصدقائه من رجال القانون والسياسة. واعتبر القبرصي أنّ الجهود التي بذلها سعاده لإنقاذ مي، والتي كانت بالنتيجة السبب الأول في إطلاق حريّتها ودعوتها إلى منبر الجامعة الأميركيّة، تدل على ناحية من مناقبيته لم يكن من الجائز إغفالها. فمي لم تكن في الحزب ولم يكن يعرفها إلّا من أدبها، وتطوّعه إنما يدلّ على ظاهرة في نفسيته الجميلة: رفع الحيف عن المظلومين وتكريم الأدباء المستحقين.

وبعد تحرير ميّ وسكنها في منزل وراء محلّة أبي طالب في شارع التنوخيين، خصص سعاده حرّاساً لها من شباب حزبه وأوفد إليها عبدالله قبرصي والشاعر فؤاد سليمان حاملين باقة زهر قدّماها باسم الندوة الثقافيّة في الحزب فرحّبت مي بهما قائلة: أهلاً بأزهار الثقافة.

قضية الأديبة الكبيرة “مي” “إلى النيابة العامة والمفوضية العليا” “حادث طريف خطير”، هكذا عنون سعاده مقالته في العدد 79 من جريدة النهضة البيروتيّة، الصادر في 19/1/1938 واعتبر فيها أنّ الكاتبة الشهيرة مي زياده سجينة وليست مريضة، متسائلاً هل يجوز أن تبقى هذه الأديبة الكبيرة مهملة من الأوساط الأدبية والعدلية في بيروت، ومـمنوعة من استعادة حريتها؟ مثمّناً جهود “الأديب السوري الكبير أمين الريحاني” لإنقاذ مي.

وفي 5/3/1938، في العدد 94 من الجريدة عينها، فنّد في مقالته المعنونة “مي تعود”، الآثار والنتائج الحاسمة التي حققتها مقالته الأولى في تحرير النبوغ السوري، الذي تمثله مي، من قيود الأنانيّة القتالة والمادية المهلكة، معتبراً أنّ ما قامت به جريدة النهضة واجب قومي.

وبعد رحيل مي، كتب سعاده قصّته معها، في العدد 34 من جريدة الزوبعة بوينس آيرس المؤرّخ في 15/12/1941، تحت عنوان “أيام مي الأخيرة” روى فيها تفاصيل علاقته بها والواجب القومي الذي أدّاه من أجل تحرير مي زياده التي وبحسب قوله لم تنجب سورية في القرون الأخيرة أديبة كبيرة مثلها يضارعها عدد قليل من الأدباء الرجال ثقافة وشعوراً وفنّاً. معلناً أنّ المعركة حول حريّة مي لم تنته إلّا لتنشب معركة أخرى حول حقوق مي، معتبراً أنّه قد لا يكون في العالم كلّه أديبة قويّة الشعور وراسخة الثقافة ذاقت من الاضطهاد والعذاب ما ذاقته مي في آخر آيّامها من تنّين الحياة السافلة الذي أعدّت له الحركة السوريّة القوميّة سيفاً مرهف الحدّين يجد فيه آخر أيّامه!

وأنطون سعاده الذي أسّس الحزب السوري القومي الاجتماعي، أسّس أيضاً مدرسة نقدية في الأدب والفن تجلّت في كتابه “الصراع الفكري في الأدب السوري” وحملت نظرة جديدة إلى الحياة والفنّ والكون. نظرة رأت أنّ الفنان المبدع والفيلسوف هما اللذان لهما القدرة على الانفلات من الزمان والمكان وتخطيط حياة جديدة ورسم مثل عليا بديعة لأمّة بأسرها. نظرة رأت أنّ المبدع الحقيقي يسعى لأن يكون الضوء وليس تحته. نظرة ميّزت بين أدب الكتب وأدب الحياة.

ولأنّه كان يعتبر مي زياده مبدعة حقيقية متعمّقة ويعتبر أدبها من أدب الحياة، خصّص في الشهر الأخير من العام 1922، سبعة أعداد من جريدة الجريدة الصادرة في سان باولو، لنقد كتابها “المساواة” رأى فيها أنّ غرض الكتاب الذي يحاول تعريف المساواة وتحديد مكانها وإمكانها هو من الأغراض الكبيرة والمرامي الخطيرة التي تستحق الكاتبة الثناء عليها، غير أنّه فنّد الأغلاط التي وقعت فيها مي بنظره متمنياً عليها ألا تحرم قراءها من الكتابات والآراء التي تنير لهم السبيل الذي يسلكونه في الحياة.

أنصف أنطون سعاده مي زياده في حياتها وبعد رحيلها كما فعل أمين الريحاني، لكن لم يذكره أحد من المنتدين في المعهد الأنطوني، هؤلاء الذين قدّموا مشهدية مسرحية صوروا فيها مي بشخصية هستريونية مضطربة كأنّهم يريدون تأكيد جنونها قبل أن يتكلم الدكتور واسيني الأعرج عن كتابه عن مي الذي بنيت عليه المسرحية كأنه يريد أن يكون تحت الضوء، ضوء مي زياده. وحين انتهى العرض طلبت الكلام وسألت: لماذا أغفل دور أنطون سعاده؟ فأجابني أحد المنظمين: لم يجد له الدكتور واسيني الأعرج أي أثر. حينها ابتسمت وأجبت سائلاً: هل المطلوب أن أصدّق واسيني الأعرج وأكذّب انطون سعاده؟!

 

المراجع:

  • أمين الريحاني، قصتي مع مي.
  • ألبرت الريحاني، الريحاني ومعاصروه- رسائل الأدباء إليه
  • عبدالله قبرصي، عبدالله قبرصي يتذكّر، الجزء الأول
  • أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلّد الأول، المجلّد الثالث، المجلّد الرابع.
  • أنطون سعاده، الصراع الفكري في الأدب السوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى