بين جرأة الشعور وشجاعة الحرف هي وهو رحلة في حيّز من فضاء سناء شجاع
د. ليلى أبو شقرا
الشعر قول موزون مقفّى له معنى طالما اختلف المتلقون في تصنيف قائله، أو تحديد مرتبته أيام كان الشعر خاضعاً للبحور الخليلية شكلاً، يسطر الكلمات نظماً على وزن يكرره على امتداد القصيدة، ليرسم أحلى اللوحات الشعرية، وليبدع في اجتراح الصور البيانية والشعرية التراكيب، في بضع كلمات قد يحتاج المتلقّي في شرحها إلى صفحات وصفحات…
والنثر فلك تتسع آفاقه لتضم كل ما يبحث عنه الكاتب من أفكار، وتأملات، وخيالات. آفاق تضمه إليها، تبُحر به في سفين الحرية، ورحابة القول، وحِلم الإبداع، وأحياناً يحمل هذا الفَلَكُ برحابته أوتار قانون الشعر وعوده، ليعزف بهدوء أو بصخب في الخلفية، مستحضراً الشاعر في عباب النثر، المفكر الذي يكترث رغم ادعائه اللامبالاة!
سناء شجاع التي عرفتها على مقاعد كلية التربية العام 2016، وتحيَّرت في فهمها في بداية هذه المعرفة، تبدَّت لي في ما بعد إنسانة قانعة بذاتها، وإنْ كانت دائمة البحث عن أناها الأفضل، الأكثر معرفة، الأكثر استيعاباً للوجود.
ولأنَّها بهذا النهم للفكر الذي رأت فيه السعادة، صارت تعيش في عالم موازٍ لمن حولها في حياتها اليومية، على الرغم من إدراكها العالم الذي فيه يعيشون وعيشها فيه بتفاصيله ودقائقه، لتتفوّق بذلك على كثيرين منهم بهذا الأفق الذي طرقته والأثير الذي جعل مداها الذي تحيا به أكثر حياةً ووجداً وأثراً، وجعله غير مرئي للكثيرين، الذين عندما يستعصي عليهم إدراك ولو الحدود الخارجية لهذا العالم الذي تحيا به، يحكمون عليها بالغرابة، ويعللون ذلك بكثير من الأسباب التي لا تخلو من شفقة أو تحسُّر، وقد كانوا هم الخاسرين الضالين.
تحت عنوان “نصوص غير مبالية” تبرز اللامبالاة قناعاً لمبالاة تحاول الغوص في “أنا” الأنثى التي تحرق ذاتها في العشق، على محراب الحب والقلم، والنص قد استحال خلاصة ما يجيش به القلب، وتحرص عليه الروح؛ فيضٌ فيها يتألَّقُ بسناها، ويمرُّ بدرب جلجلة العاشقين من السهر إلى محاولة حفظها لتكون خالدة تقهر الزمن!
فهي إنْ “سهرتُ لأجلها سَحَرا” – أي لأجل هذه النصوص- تقدِّمها إليه وتبذل ذاتها فداءَ الخلود في فيء الحبيب كلماتٍ، وأفكاراً استحالت حبراً ملأت به “القوارير” تحيل بذكرها القارئ إلى قوارير العطر التي تزيد من جاذبية من يقطُر منها بضع قطرات على عنق تماهى مع عبيره، ويشتاق إلى شمّه الحبيب؛ الفرق الوحيد هنا هو أن العطر استبدل بعطر آخر هو عطر الحبر الخالد، والكلمة سبقت الحبر بالوجود، والقارورة هي ذلك الورق الذي في كل العصور يشتاق إلى من يلطّخه بالسواد!
“ملآى لأجلها القوارير… حبرا” أجل، الحبر عطر، والقارورة ورق!
ومن طيب العطر الحبر في القوارير، إلى الدفء بين الذراعين وما يبعثه في المخيلة من حنان، وأمان، وسعادة، واعتاق للنفس لا يمكن إيجاده إلا بين ذراعين أخلصتا في العشق شكلاً ومضموناً!
وهل هناك حصن لهدية المحبوب كذراعي حبيبه؟! فهي إنْ كانت حريصة على هذه الهدية، تحضنها، وتملأ لأجلها القوارير، فلأنها ستهديها له!
هذه هي الأنثى التي ترسمها هذه النصوص غير المبالية، بلامبالاة تصدح بمبالاة تتعدّى حرص الأم على حماية صغارها، وضمّهم في حضنها. فالأنثى إذا ما عشقت بذلت كل روحها، لا مشاعرها فحسب؛ تقدّم بسخاء من دون أن تبخل، ومن دون أنْ تمل أو تتعب، وتسود هذه الموسيقى التي تبيّن مدى الانغماس في العاطفة وبذل النفس في هذه الهدية، ذلك أن أنثى سناء شجاع هنا تبذل كل ما فيها جسداً وروحاً، كياناً متكاملاً من دون اقتطاع أو تفنيد.
“سهرتُ… ملآى… بذراعيَّ غمرتها… بذي الأنامل عزفتها…”
تعب جسديّ مبذول من دون منّة، لأنَّه استغراق في الحبيب ووصال له وإنْ من خلال هذه الهدية، التي ستحملها كلها إليه، وتقربه منها عندما يلامس عطر القوارير عنقه وقد لامست الكلمات يديه وعينيه!
ولأن الخيال قد يرسم في النفس مشاعر قد تكون وقد لا تكون، قد يكون الحب وقد لا يكون، قدَّمت أنثى شجاع هديتها، وتساءلت عن العنوان، سؤالاً هو أقرب إلى التلاعب على المعنى وسؤال العارف.
“أتعنون قصائد بـ لا أبالي، وأنت تسكنها وجْداً”
هو سكن بحبه حنايا قارورة عطرها، والورق، ومع ذلك فقد لاح في العنوان نفيَ المبالاة، في تلميح يميل إلى أن يكون سرب من أمواج مترددة، متتابعة، متعارضة، مقدامة، أمواج تكر وتفر، لتقول في ما لم تقله كل ما أرادت قوله.
هي مبالية، هي تهواه، وفي سبيله لا بالي بأي شيء!
وهنا إشكالية تنقلنا إليها الشاعرة حول علاقة العنوان بالمضمون وبغاية الكاتب؛ فالكاتب الذي أبدع منطلقاً من فيض وجدٍ تجاه المتلقّي الذي تماهى وحبر القصيدة ومضمونها، فأحكم سيطرته عليها، حتى استحال على العنوان أنْ ينفرد برئاسة النصّ، واستحال على الكاتب أن يتحرر في اختيار قيود قياس تبُيح هذا الاختيار، لأنّ المنطلق والغاية والمضمون والمتلقيّ انصهروا في شعور واحد هو الوجد!
العنوان، وإنْ تعددت له المقاييس والاعتبارات، إلا أن لا اعتباراً لأي قياس إذا ما تماهى المبنى والمعنى، وفرض العشق سيطرته، وحكمّ قانونه ليكون في العنوان أجمل رضوخ للحب والهُيام!
ومن إشكالية العنوان وعلاقته بالمضمون تنقلنا الأديبة شجاع إلى إشكالية أزلية، يدّعي البعض فهمها وسبر أغوارها وإيجاد الحلول لها ألا وهي علاقة الرجل بالمرأة، أو بعبارة أكثر دقة، قدرة الرجل على التحليق في فضاء أحاسيس المرأة وردود أفعالها وانفعالاتها.
المرأة حتى اليوم تشكل هذه المادة الدسمة لعبارة “إن النساء عصيَّات على الفهم!” فالمرأة تسعد لأسباب قد لا تفهم، أو قد تكون تافهة بنظر الآخر، وقد تغضب وتثور لأصغر الأسباب، وقد تقف كالجبل مارداً في مواجهة أعتى الرياح وأشرّها، المهم أنّها تنفعل بالموقف الذي يلامس جوانيتها ويتغلغل في أعماقها، ولذلك، فكل غضب أو فرح أو ابتسامة أو دمعة هو بالتأكيد موقف قد لامس فيها الروح!
ولذلك، تقدّم لنا شجاع هذه الإشكالية في حوار أشبه باستنطاق أمام قاضي التحقيق بين المرأة والرجل الحبيب، حيث يغلب الإنشاء على كلام آدم، والخبر على كلام حواء…
غرور الرجل بجمال شكله وسعةِ جيبِه اللذين ترتكز إليهما ثقته بذاته، الثقة التي تتبددُ تساؤلاً أمام “اطمئنان” حواء لشعوره بالسعادة، وليجر التساؤلُ أخذاً وردا يرسم حدوداً فاصلة بين المرأة كياناً والرجل.
– “ولمَ؟! فأنا رجل جميل ثريٌّ. دوماً أشعر بسعادة.
– طمأنتني”.
المرأة التي ترسمها هُنَا شجاع هي المرأة الحالمة، العميقة التفكير، المتأملة، التي لا ترضى للزمن انتصاراً، الباحثة الدائمة عن المعرفة غذاءً للفكر، وسبباً من أسباب السٍعادة، فالسعادة عندها “فكر”، والفكر عندها سبيل “للإطمئنان”، والاطمئنان صُنع من “وعي وإدراك” يتنامى دوماً ويرُوى، والحب ذخراً تتلمّس سبيله في ضوء القمر؛ لذا، استحالت امرأة لا تهدر وقتها بشرح ما يجب أن يكون جلياً بنظرها، تترقّب من محاورها أنْ يغوص معها في غياهب المعاني التي تثيرها في إجاباتها وأنْ يحُل معها في آفاق فلسفتها، وهو الرجل الذي على الرغم من كل ما يدّعيه على أرض الواقع، وتجاوز سنوه الخمسين، إلا أنَّه لا يزال يستخف بما يمكن للسنوات أنْ تضفيه على المرأة الكيان والعقل والروح من جمال.
الحوار الشيّق بين المرأة التي رسمت ملامحها شجاع، والرجل الجميل الثري الذي تجاوز الخمسين، يرسم نظرة الرجل عامة إلى المرأة، ومفهوم كلّ منهما للسعادة والحب.
فالرجل –على سبيل التعميم العلمي الذي لا ينفي الاستثناءات– ينظر إلى المرأة نظرته إلى رزنامة، لا يرى فيها إلا خط الزمن الذي لا يعرف تراجعاً، والذي يعني له صلاحية نسبة هذا الوجود المسمّى المرأة أو الكائن، أو انتهاء صلاحيته.
– رغم شوقه إليها- بالنسبة له كانت هي الكهلة الباسمة، وهل يمكن لامرأة قاربت الأربعين أو تخطّتها أنْ تكون سعيدة؟! وكيف يمكن لبلوغ سنّ الأربعين أنْ يكون مصدر سعادة!؟
وهل يمكن للسعادة ألا ترتكز على ثلاثية غير ثلاثيته المرتكزة على المال والجمال والحرية؟!
لم يسمح للمرأة أنْ تكُمِل سَطْرها لثلاثية السعادة بنظرها، لأنَّه أراد أنْ يكمل عنها التصريح لمعرفته بالإجابة الصحيحة، أليس الرجل من يعرف عادة؟!
تمايزت هذه الثلاثية بين المال والجمال والحرية وفقاً له، وبرز الفكر مصدراً من مصادر السعادة وفقاً لها، من دون أنْ ينفي ركائز ثلاثيته، ولعل وصفها إياه في ندائها بالجميل الثري أكثر من مرّة، يربط بين الجمال والمال، ويصل مفهومها للسعادة بمفهومه لها، ويكشف تذوق إحساسها بالآخر، وهو الأمر الذي يصلنا بالواقع الذي تفتش عنه أي امرأة وتحرص عليه، لا سيّما الجمال الذي يبدو في شكله الخارجي هو الأبرز بين النساء على مرّ العصور، وفي عصرنا الحالي، إلى جانب الجمال الداخلي الذي لا يكشف أسراره وذاتيته إلا أمام من يحُسن التنقيب، ويحُسن النظر.
– “وما السعادة برأيك أيتها الكهلة الباسمة؟ أولاً إني تخطيت الأربعين.
وكيفً لاِمرأةِ أنْ تسُعد لهذا؟!
ثانياً السعادة تقوم على ثلاثية.
دعيني أكمل: مال، جمال، حريّة.
مراهق أنت رغم تجاوزك الخمسين.
وما ثلاثيتك التي بها تتدللين؟ الفكر سعادة!”
الفكر الذي تحدّثت عنه شجاع على لسان هذه المرأة، هو هذا الوجود يعكس نضج المرأة في مقابل مراهقة الرجل التي تستمر متنقلة على بساط سنوات عمِره، الفكر الذي لا يرُى بالعين المجرّدة التي تلتقط ما يظهر ويبدو ويتجلّى محسوساً، الذي ينُهك وفقاً له، وعلى الرغم من إنهاكه، هو لها إدراك وفهم واطمئنان ومعرفة.
هذه المرأة التي ترسم حدودها شجاع بحوارها مع الرجل، هي المرأة التي ترى في وجودها قيمة تتخطّى أسرار السعادة المعترف بها، وتهوى الإنهاك لفهم الوجود، وفتح أبواب الإدراك؛ وقد تكون هذه المرأة في عصرنا الحالي الذي يعتمد على المظاهر أكثر من المضمون، ويكرّم المباني أكثر من المعنى، ويؤخذ بالصور أكثر من المحتوى، قد تكون نادرة الوجود!
والحب الذي يبدو أنهّ هو الذي يجمع بينهما، يسطر مفهوماً له يختلف بين هو وهي.
فهي، الحب لها ذخيرة تحفظها في الربيع، في الإبداع، في الحرف، في القلم، في الذاكرة، مع القمر، على الورق…
وهو الوجود الذي لا ينفصل عن حيثيات الحياة والإبداع والإلهام؛ وكأنّها بذلك تقول بأن المرأة كائن لا يمكن أن تعيش بلا حب! كل ما يأتي منها إنما يأتي من حب، وإنْ تلقّت وحضنت واستقبلت وتذكرت فمن حب؛ وكأن الحب لا ينفصل عن التفاصيل، وهو الذي يسود خط الزمن ويتسلطّ عليه.
الرجل سعيد دائماً إذا ما تمتّع بالجمال والثراء، والمرأة سعيدة إذا ما أنهكها الفكر مطمئنة مدركة واعية؛ وامرأة “شجاع” امرأة لا تخاف، دبلوماسية، قادرة على احتواء هو بلطفها لتبعد نفسها عن الجدل، إذ ربمّا شعرت من إجابته بأنَّه لم يتلق كلامها بالعمق الذي تريد، أو بالعمق المطلوب، أو بعمقه الذي يفرضه السياق، لذلك، انسحبت من النقاش بلطف صراحة تعد بمحاول الوقوع في الحب “سأحاول”.
امرأة “شجاع” وعدت بالمحاولة، فالحب عنده ضرورة والسؤال عنه ربمّا هروب من نقاش فلسفي حول الفكر والسعادة، ولذلك، ولأنَّها لا تريد أنْ تخاصمه أو تختلف وإياه أو تتعبه بنقاش لا يهواه، ألقت سلاح الجدل، وتناست تفاصيل المحاججة وشروطها، ووعدت بالمحاولة في المستقبل القريب، “كيلا تجُادل”… وكأنَّها لا تهمل المضمون لصالح الشكل، ولا المحتوى لصالح الصورة، بينما الصورة مأخوذة بنفسها، معتبرة أن الحياة إنما تكون بالجمال والثراء…
وينتهي النقاش بدعوة على فنجان قهوة. هذا الفنجان الذي يبرز دوماً في محاولات الإغراء والاستقطاب، فهو المفتاح لمزيد من الحوار، ولوقت يقضيه هو معها وجهاً لوجه، لإغواء علهّ يصل الصبح معها أو بدونها بعد ليل طويل…
امرأة “شجاع” ليست كتلك التي رسم ملامحها نزار قباني غارقة في حيرة قاتلة، أسيرة اللحظة، أسيرة زمن توقّف عند المشهد الأخير عند الرحيل، وقد ترك الجريدة وأرسل دخان سيجارته، سجينة “لو” ترسم بقيودها سيناريوهات متعددة لعودته التي تأمل بها، سبيّة حبّها المرضيّ!
امرأة “شجاع” ليست فاطمَ امرئ القيس، هذه الفاتنة التي تهدي محبوبها أحلى أوقات العشق وأمضى وقائع الفحولة؛ ليست عبلة التي تتراءى مع صليل البيض وبريق البياٍض وقد داعبته أشعة الشمس في ساحات الهيجاء؛ وليست ليلى التي رمت بنفسها في قدَر من الأحزان لتحافظ على سمعَتها بعد أنْ طرح عليها تشبيب قيس بها الضباب!
امرأة “شجاع” ليست سمراء سعيد عقل التي حلقّت والكلمة وداعبت كلّ إلهام، وأفاضت منها كلّ إبداع لشاعر؛ وليست هذه اللاهثة خلف الشباب فإذا ذهب، نسيت الحب وتناست ابن الرومي والأخطل الصغير! كما أنها ليست الغزالة عاقدة الحاجبين، وقد تقمّصت حالة نكران الرؤيا على الرغم من تقابل العينين!
فاِمرأة “شجاع” هي امرأة واثقة من نفسها، نظرتها للوجود بحبِه وسعادتِه وقهوتِه ثابتةُ الركائز، ثلاثية الأبعاد والمرتكزات كثلاثية الأمويين في آفاق الشعر أو ثلاثية إيمان وعبادة. هذه الثلاثية التي تمثّل الكمال ولو كان الكمالَ بحدود بشرية، أليس لأجلها يقُال بأن الأنثى استقامت عند الحمل لا سيّما الأول؟ وإنْ دبَّ آدم على اثنتين فبيته لا يستقيم إلا وقد عادل الاثنان الثلاثة؟!.
امرأة “شجاع” هي السمراء التي لأجلها وُجد الحب، يناجيها وتناجيه، هي هذا الكون الذي يحضنُ كل وجود، المتذوقة للفكر، الباحثة عن الارتقاء حيث السعادة الحقيقية!
هي تلك التي تجرؤ على أنْ تفشي أسرارنا من دون أنْ نودعها إيّاها، والتي تتقمّص أدوارنا وأطوارنا وأحزاننا وآمالنا وخيباتنا!
هي تلك التي تصورُنا من واقعها الافتراضي في عالم الواقع المادي، تحاول جاهدة أنْ تكسر لنا القيود وأنْ تكسرها معنا!
هي تلك التي تعيش عنّا حياتنا، لا تقف عند حدود أو ممنوع، إذ إن أفعال الأمر لا تطُبق عليها!
هي التي خرجت عن إطار المكان وحلقت في كل زمان، وجمّلتنا حبراً على ورق، وحملتنا في ثناياها قميصاً حرُمنا منه إذا ما وضعنا القلم!
هي المرأة المتأملة عميقة التفكير، القادرة على أن تدير دفّةٍ كل حوار، الكاشفة لحجم
التناقضات فينا، اللاعبة على قانون الديبلوماسية أمام ذكر لا يريد أنْ يرى فيها أبعد من قشرة الدماغ!
هي في كلّ امرأة آلاف النساء، آلاف يقبعْن في مرمى نشّاب واحد؛ تتلوّن شعورهنّ ربمّا، تتغيّر ملامحهنّ ممكن، لكنّهن صورة لتجربة واحدة لا تختلف إلا بمقدار تغيّر موازين القوى بين النور والظلال! “لا مكان يحضننا، لا عيناً تبصرنا، بتنا كباحث دوماً عن حب غجريّ… فأنا، وأعني هي، من عالمين جئنا، ولعالمين وُجدنا، أحدهما واقع، والآخر خيالي!”
والمرأة وجوداً والرجل، لا يحتل عند شجاع الشعرَ مساحةً فحسب، بل يتنقّل عبر أثير النثر لينقل هذا الصراع بين الذكورة والرجولة الذي عبّرت عنه في نثريتها القصصيّة، حيث تبيّن لنا أن قيمة هذا الكيان البشريّ المسمّى “آدَماً” تنخفض من منزلة “رجل” إلى مجرّد “ذكر” عندما يعلو فيه صوت الغريزة الجنسية التي لا تجدُ لها إشباعاً إلا في التقرّب من النساء اللواتي يبُصرْنَ “إناثاً” فحسب، فريسةً تنُسَجُ الحبائلُ حولها لتسقط في فخ هذا الوصال المادي، والمتعة المادية التي قد تكتمل عناصرها بعلاقة جنسية تامة، وقد لا تكتمل… الأمر منوط ببراعة الذكر!…
ومن هذا التأطير للعلاقة بين الأنثى والرجل الذي يتوقف برجولته عند ذكورته، تحُيلنا “شجاع” أبعد من كلماتها إلى العلاقة بين الأنثى والذكر في المخلوقات كافة، عندما يعلو صوت الغريزة عندها في مواسم التزاوج وتتسابق الذكور، وتتفنّن في استعراض مفاتنها وفحولتها وتضاريسها لتفوز بالأنثى، في ما قد يشكلّ الفرصة الوحيدة المتاحة لاستمرار النوع ولينتصر حيوانها المنويّ بولوج بويضاتها التي قد تكون هي الفرصة الوحيدة المتاحة لاستمرار النوع! مع فارق أن لهذه المخلوقات مواسم تزاوج ولذكر البشر كل المواسم له متاحة…
واللافت أن أنثى شجاع ليست كذلك هي الـ “ديفا” التي يقُرأ عنها في قصص الحب، تلك الإلهة الخالية من العيوب، وقد نُحِتَ قدُّها في قالب كامل خال من العيوب والشوائب، ونظُمَ جمالها فوق بحور الشعر كافة فاستحالت هي الإبداع والفيضُ والقريحة، بل استحالت هي الفتنة والأخذ والحلم؛ أنثى شجاع هي هذه المرأة التي تقابلها النساء في كل واحدة فيها، تلك المرأة التي لم تهجر الحياة وإنْ هجرها “الشباب”، وانتقلت بخطواتها عبر بوابة الزمن لتعبر عتبة الخمسين، ولا تزال هي الوفية للحياة، لشعلتها الحيَّة فيها، في البشر، هذه الشعلة التي لا يعرف الآدمي بعيداً عنها الإبصار، والتي لا تلتفت لما هو خارج عنها ليؤطر لها ظاهرها، لأنها هي هذا الكيان الواثق، هذا الوجود الذي احتفى بوجوده، فلم يُعِر انتباهاً لماديات محيطة به مع شعوره بالضيق منها، لا سيّما ما ارتبط منها بالتذلل إليها في سبيل تحقيق متعة حفّزها دخانٌ منبعثٌ من سيجارتها؛ قرائحُ تنافستْ في ابتداع الأعذار ونصب الكمائن وسكب القهوة في فنجانها مرّتين؛ أعذار لا تخرج من إطار رحى الحرب الدائرة بين المرأة والرجل، رقصة النار التي لا بد فيها من غالب ومغلوب، من بطل ينصبه فوزه إلهاً. “أنا شاعر”، “أنا راقص”، “أنا رسّام”، “أنا مطلَّق!”… أنا وأنا، وكم من أنا لا نعرف ما تخفي في حروفها من وجوه الحقيقة والرياء، ولكنها بكل الأحوال هي الطريق للنهائيات والفوز بالكأس أو بالوصال…
صورة الأنثى التي ترسمها شجاع بكلماتها، هي الأنثى القادرة على أن تتماهى والمكان، وأنْ تلتقط التفاصيل المرتبطة به، من جماد وبشر، لا سيّما الذين اقتحموا من فترات العمر ما بعد الشباب وحافظوا على انتصاب قامتهم وأدغال صدورهم، “هذا الرماد” الذي يدفعها لتعب من رماد سيجارتها…
هي الأنثى التي تعرف ما تحب، وتلتفت لما يثيرها، وتعرف كيف تُسعد نفسها… رغم سنواتها الخمسين…
ومع هذه الصورة للأنثى التي تبدو في شعر شجاع ونثرها بأنَّها الواثقة بنفسها، ثقة مُدركة لذاتها ولما يحيط بها ولما تبتغيه وتُنشده، نجد أنفسنا أمام سؤال عن علاقة الأنثى بالزمن الذي لا يبدو معها بأنَّه يشُكِّل عائقاً أمام هذه الأنثى، أو يشكِّل همَّاً وتعباً يجعلها غير قادرة على تقبل نفسها وقد هجرها مع الزمن الجمال والشباب، وكرهتها في صورتها المرآة؛ بل يستحيل الزمن إلى حليف لهذه الأنثى، يثريها فهماً لما تريده هي أولا، وللوجود، ولأعماق الرجل، فتستوعبه، وتحتويه، ولا تطيل في العبارة مفضلة التلميح لا التصريح، والالتفات إلى ما يمكن له أنْ يُدركه من كلامها حتى لا تضيع الأوقات في الشرح… على الرغم من أن “الاكتظاظ الذكوري” قد يسبب لها “تشنُّجاً في الكتفين”…
ومن عالم الرجل والمرأة، وهذا البحر العميق الذي لا يخفي غموضه، بل يجلوه واضحاً بيّناً، معترفاً به كحقيقة ثابتة في تكوين الأنثى، أمام من يحُسن النظر، فلا ذنب للبحر إنْ لم يصل المُبحر فيه إلى قاعه، وهو لن يَكشف أسراره إلا لمن يمعن النظر ويحُسن الغوص!، من هذا العالم، تنقلنا شجاع إلى خواطر تختصر فيها بكلمة ما نحتاج عادة في شرح مفهومنا له إلى صفحات…
بالتلميح الذي تهواه شجاع لا بالتصريح، تسطر تعريفاً أو مرادفاً لمفاهيم أساس في حياتنا.
فالـ “طفل” عندها ذاكرة، والـ “وطن” سرير، و”التراب” حبر، والـ “حب” استقصاء، والـ “فكر” وطن، والـ “قلب” آلة، والـ “أمومة” طبيعة، والـ “تزلف” جرّافة…
ومع أن المرادف أو التعريف بنظر شجاع لم يأخذ إلا حيّزاً كلمة، إلا أنَّه في شرح هذه المعنى سيحتاج الأمر إلى أكثر من مجرد كلمات… فالذاكرة التي أرادتها للطفل رديفاً أو قريناً، إنما انتقال إلى ما تتحوَّل إليه هذه المرحلة بعد انقضائها؛ فالإنسان – وإنْ تمّت تسمية كل فترة زمنية عمرية بمسمّى خاص بهاـ إلا أن عمر الإنسان يمكن أنْ يقُسم عمودياً بين فترة طفولة يقضيها من دون همٍّ يُذكر، وفتراتِ نضُج يقتحمها هم الحياة وأثقالها ومسؤولياتها وأعباؤها، وعليه تكون بالفعل هذه الفترة الخاصة بالطفولة هي الذاكرة التي يعود إليها الإنسان دوماً، يجترُّها عند كل مفرق جديد، ومفترق طرق، وكل خوف، وكل لقاء، وكل طيفٍ يتراءى له وقد كان في أمس ولم يعد… كالكومبيوتر بالضبط، وهل ينفع هذا الكومبيوتر إذا خلت منه الذاكرة؟!… بالفعل إن الطفولة للإنسان ذاكرة، تشحنه – في العادة – بكل ما ومن هو جميل، وخاص، وعزيز…
والسرير الذي عكس مفهوم الوطن عندها، فراحة، وإلقاء للهموم، وملجأ ومرتع، واستلقاء، واسترخاء، ضجعة للجسد تهديه ما أهداه الموت للجسد عند المعري، رقدة تستبيح كل سهاد، وخلوة توقظ التأمّل، ووقفة حساب تعُيد احتساب الأفعال والأقوال التي يأتيها الإنسان قبل الرقاد وقبل الاضطجاع، وأمان، ودفء، ومتعة، ومحبة، وسيادة لا يخترقها إلا من يملك سبيل هذا السرير ومفاتيح حرُمته من دون بيع أو اتجار بالهوى أو رقّ. ومن يخسر من الناس الوطن، فقد خسر السرير، ولا يمكن له أنْ يعرف لوجوده إلا القلق والتعب والسهاد…
والحبر الذي طابق التراب، فبه يكُتبُ البشر في صحائف الوجود، وبه يكون الوجود الأول، والسبيل، وبه يخُطُّ البشر في الأرض قصيدة، أو طلسماً عصيَّاً على الفهم، أو دعوة، أو نذيراً، أو بشيراً… به قد يحُفر الإنسان أثراً في هذا الوجود، يُنطَقُ كلمة تبقى، أو تزول… الأمر مرتبط بنوعية الحبر وقدرته على تحدّي عوامل التعرية للزمن…
الحبر هو الجسد الذي يصوّر الأفكار مادة مرئية وأثراً باقياً خالداً بما يحويه.
والاستقصاء الذي رادف الحب ينقل الخيال إلى غرفة تحقيق تبحث وتستجوب وتتجسّس وتستكشف كل جديد ومخفيٍّ… ومع التدقيق بهذا الترادف، ترتسم ابتسامة، لأن الحب بالفعل استقصاء… استقصاء لملامح جوانية الآخر، للتغلغل في أعماقه، في أحلامه، في تفاصيل يومياته، في أهوائه، وإيجابياته، وسلبياته، ونواياه، وتمنياته، وواقعه، ووقائعه، وماضيه، وحاضره، ومستقبله… لما كان وما يكون وما سيكون، وحتى ما لم يكن… استقصاء من أجل الإسعاد، أو التملك، أو رفع الظلم عن النفس، أو استجداء الأمان، أو تمتين الثقة أو زلزلتها… والأخطر من كل ذلك، أن الحب استقصاء للذات في هويتها، وملامحها، وماهيتها، وحقيقتها، وسوادها وبياضها…
والوطن الذي رادف الفكر، فدليل على أهمية الفكر في صناعة وجود هذا الإنسان بتحقيق معناه، ذلك أن الوطن هو هذا الكيان الذي يمنح الفرد هويته، ويحفره وجوداً في سجل الوجود أو أثراً، ويحفظ ميزاته، وعاداته، ويعني منعته وسيادته، وحريته، واستقلاله، وراحته، وأمانه، واستقراره؛ والفكر وما يستتبعه من تفكر في كل ما هو موجود بل وأبعد من الوجود، وإدراك، وبحث، إنَّما هو الذي ينقل الكائن العاقل إلى حيّز الوجود الفاعل في هذا الكون، وفوق هذه الأرض؛ وعليه يكون هذا الفكر.
أما الطبيعة فعكست في مرآة مفهوم شجاع لها الـ “أمومة”… انعكاس خطير، لأن الوالدة ليست بالضرورة أماً، والعاقر التي لم تنعم يوماً بركلات موجعة محبَّبة في أحشائها ليست بالضرورة “غير أم”… الأمومة إما أن تكون سمة فُطرت الأنثى عليها أو لا تكون… الأمومة ليست صناعة يتمُّ تلقينها، وليست كفايات تُكتسب، ولا نُظم تفكير قد تتُقنها الأنثى بالتدريب وكثرة التمرين…
بالفعل إن الـ “أمومة” طبيعة… منذ بدء التكوين مروراً بالولادة وصولاً إلى اللحد، إما أنْ تكون الأنثى أمَّاً أو لا تكون، سواء اختبرت نعمة الإنجاب أم لم تفعل…
ويبقى الـ “تزلف” الذي أعطته شجاع رديفاً الـ “جرّافة”… فالتزلف كذب ورياء وزحفٌ وتملُّق وخداع ونصْب وتظاهر بمحبة قد تُبطِن أوكار من الأفاعي السامة الراقدة، أو المتململة المتحفزة لهنيهة الانقضاض… واكتشاف تزلف الآخر حكمٌ بالإعدام عليه في نفس المتلقّي، ونبذ له من المشاعر، وطرد له من القلب، ومحو لسنوات من العشرة قد تكون، وإفناء للثقة، وغضب من استخفاف المتزلف بعقل المتلقّي ورشده وحكمته… وهذا الحال إثر الاكتشاف، كالجرافة، التي تأخذ كل شيء يقف أمامها بيدها، تزيله من مكانه، تقطع جذوره من مكانه، وترميه بعيداً، في مكان قد يكون منبوذاً فيه، غير مرحَّب به.
شجاع بنثرها وشعرها، تماهت والرمز الذي توسّلته لتنقل هذا الفكر الذي اختمر وتعتّق في جيل يتعدّى أجيالاً، وهي على الرغم من أنَّها لا تزال في عُرف الأعمار شابة.
وهي في ما قدّمته لم تختلف كثيراً عن الأنثى التي أرادتها إبداعاً يسيل من حبر أسود، فهي، كما هذه الأنثى، مرآة لكثير من النساء اللواتي التحمن بالفكر، وغُصنَ في أعماقه، ولم يرضيْن بالسطح والسطحية، ولم يلتفتْنَ لما يمكن أنْ يواجههن من ردّات فعل سلبية من المجتمع بذكوريته المنتفخة، وإناثه اللواتي لا يزلْنَ قابعات في سجن الأنوثة من دون بحثٍ عن فكاك أو مهرب أو ارتقاء أو إنضاج للإنسان عقلاً وفكراً فيهنَّ…
وشجاع في حياتها اليومية لمن عرفها، أشبه بمتاهة؛ بجاذبيتها، تطرح كثيراً من الأسئلة عند من يتقرّب منها أو يلتقيها، وفضولاً يجتهد في محاولة فهمها، وقد يحكم عليها البعض بأنها غريبة الأطوار [عالَم غريب]، والسبب في كل ذلك، وبكل بساطة، أنها دائماً تقتحم أعماقاً قد لا يدركها البعض، وتلتحم بها، وتعيش في عالمها الذي بنت سعادتها فيه على أسس الفكر وفهم هذا الوجود، انطلاقاً من ذاتها وصولاً إلى كل ذات أخرى وجدت يوم وجد الكون، وكانت يوم كانت الحياة، وصارت يوم صار الحب هو سنّة هذا الوجود للبقاء والاستمرار والارتقاء والنقاء…
سناء شجاع كما هذه الأنثى التي أبدعت في رسم ملامحها الجوّانية، تحضن الكون في سناء، وتواجه بحكمة المتبصر الشجاع، من دون أنْ تفقد في التحامها بإنسانيتها وتحقيقها لهذه الإنسانية نبض الأنوثة فيها الذي يعرف الحب ويحياه لأنَّها هي السمراء التي يثريها موج البحر ويعانقها شال الحب ما إنْ تهمس لحرف محبرةٍ…



