بين الوجود والتّيه وبناء الحضارة
قراءة فلسفية أنثروبولوجيّة لرواية “دروب ملوّنة” للكاتب صالح إبراهيم
أ. حسين علي رمّال
تحكي رواية “دروب ملوّنة” قصّة بحث آدم عن زوجه بافال الغجريّة، منذ بداية الرّواية حتى نهايتها، بلغة سرديّة تكتنز موضوعات وتأمّلات فلسفيّة واضحة حول الذّات والهويّة والتّيه والمكان. ما يطرح أسئلة كبرى تحاكي الفلسفة الوجوديّة حول جماعات وقفت في طور البداوة؛ لكنّ بافال حاولت الانتقال بها إلى الحداثة.
يتقاطع النّصّ مع رؤى فلسفيّة عديدة، متفرّدًا بلغه تنهل من واقع التّجربة وتنوّعها الثّقافيّ لدى الغجر. وفي هذا السّياق؛ لا تظهر الشّخصيّات شخوصًا اجتماعيّة، بل كائنات فلسفيّة تنقد مركزيّة الهويّة الموروثة وتكشف هشاشة الانتماء الجغرافيّ والثّقافيّ. انطلاقًا ممّا تقدّم، يسعى هذا البحث إلى مقاربة الرّواية، بوصفها نصًّا تتداخل فيه أسئلة الفلسفة الوجوديّة مع السّرد، يشكّل آدم وبافال فيها وسيلتين لفهم الوجود، أكثر من كونهما بطلين تقليديّين.
أوّلًا: التّيه والوجود
تنقل الرّواية حال الشّخصيّة الغجريّة التي تعاني القلق والتّيه الدّائمين، وهذا ما يأخذنا إلى فكر الفيلسوف الوجوديّ “سارتر” القائل بأنّ الإنسان يُقذف ويُلقى في هذا الوجود، من دون اختيار، فيبدأ البحث عن ذاته. وهذا يجسّد هدف بافال الغجريّة في رحلتها؛ فالتّيه في الرّوايه ليس لعنة، بل هويّة متحرّكة. يدخل آدم العربيّ هذا العالم الغريب، ويتزوّج بافال التي ترحل بعد زواجها في رحلتها، ثمّ ما يلبث آدم راحلًا خلفها، بدافع الحبّ، بحثًا عنها.
تنقل الرّواية حال فتيات الغجر: “نحن البنات علينا أن نطيع العادات، لا يمكننا الاختيار، كنت أحبّ أن أتعلّم، لكنّ والدي لا يرسلنا إلى المدرسة” (ص 82)، وفي مثال آخر: “نحن نغنّي ونرقص بدل القراءة والكتابة، الرّجال يتعلّمون الحساب لأجل عدّ النّقود” (ص 83).
انطلقت بافال متمرّدة على هذا الواقع لتؤدّي الأمانة، لتنشر الثّقافة والعلم لدى الغجر، فيلحق بها آدم باحثًا، ويتساءل: “ماذا فعلت لهم بافال في رحلتها؟ هل أدّت الأمانة؟ أمّا أنا فهل كانت تلك مهمّتي أو رغبتي أو واجبي في اللّحاق بزوجتي فحسب؟” (ص 171). يتخطّى بحثه عنها موضوع حبّه لها إلى ما هو أعمق، فيحاكي هدف بافال في رحلتها. يجد آدم نفسه باحثًا عن الغجر أجمع، ليتعرّف إليهم معمّقًا: “سكنني شعور غريب بأنّني لا أتبع بافال فحسب، بل أتبع قوافل الغجر وتجمّعاتهم ومخيّماتهم، وأتحرّى عاداتهم وأوجاعهم” (ص 113).
في هذا السّياق، نذكر تقسيم “جان بول سارتر” الوجود قسمين: وجود في ذاته، ووجود لذاته. الوجود في ذاته، أي الشّيء الذي في ذاته، وما هو عليه فقط، لا يستطيع أن يختار أو يغيّر نفسه، مثل وجود المكتمل الصّلب بلا وعي وبلا نقص أو رغبة. أمّا الوجود لذاته، فهو حالة النّظر إلى ما هو أعمق، وذلك لا يقع في دائرة الظّواهر، بل يحتاج إلى دليل وبرهان لتبرز وجوده، وهو وجود الإنسان وحده؛ لأنّه يمتلك الوعي ويدرك نفسه، فيخرج من ذاته نحو العالم ليسأل ويشكّ ويخطّط، فالإنسان مشروع لما يريد أن يصبح لا لما هو عليه. ومن أجل أن يكون الإنسان مشهودًا في الكون، لابدّ أن يصنع ماهيّته عند الآخر الذي يعمل على إلغائه والذي يعلو على علوّه، وعليه الدّفاع عن نفسه بما يصنعه وما يبدعه.
يشكّل الغجر في الرّواية مجتمعًا هامشيًّا، له ثقافة خارج الدّولة وخارج الهرم الاجتماعيّ، هم جماعات مهمّشون، معرّضون لخطر الإلغاء والعزل الدّائم والإنكار الوجوديّ من الدّولة. هم جماعات تملك طقوسًا جماعيّةً ورموزًا ولغةً وخرافات ودينًا أسطوريًّا خاصًّا يغلّفها بعيدًا من العلم والثّقافة.
تتّسم هذه الجماعات –بحسب الرّواية- بالتّرحال الدّائم، لا تعرف الاستقرار (العامل الأساس لتشكيل حضارة)، ما يجعلها مجتمعات قائمة بذاتها لا تعيش خارج الدّولة فحسب، بل خارج مفهوم الزّمن. الغجر في الرّواية لا يملكون في أرضًا ثابتة، بل يعيشون على أطراف الخرائط، في مناطق رماديّة محايدة متغيّرة باستمرار، إنّهم لا ينتمون إلى حدود الجغرافيا، ما يجعل علاقتهم بالمكان علاقة عبور لا استقرار، وهو ما يمنحهم صفة “التّرحال الأنطولوجي”. ما يشكّل أحد هواجسهم، فقد ورد في الرّواية مقطعًا من أغانيهم: “ليس لي أرض، ليس لي أمل، ليس لي وطن يفتفدني” (ص 127). بذلك، يعيش الغجر في التّيه الدّائم ويخرجون من إطار الاستقرار السّياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ، وغالبًا ما يُنظر إليهم كمخلوقات هامشيّة، غريبة، غير قابلة للاندماج في النّظام الدّوليّ؛ فهم جماعات غير مستقرّة أو مرتبطة بمكان، وذلك ما يفسّر حالتهم المُهمّشة، بل إقصاءهم وجوديًّا من خريطة المجتمع.
ثانيًا: الإنثروبولوجيا
تجدر الاستعانة، في هذا الصّدد، بمقاربة الفيلسوف الإنثروبولوجي “لويس هنري مورغان” الذي قسّم تطوّر المجتمعات الإنسانيّة ثلاثة مراحل: المرحلة الوحشيّة، المرحلة البربريّة، مرحلة الحداثة. يتّضح، بحسب الرّواية، أنّ الإنسان لم يقف عند مرحله محدّدة بل تطوّر طبيعيًّا ليصل إلى الحداثة، إلا أنّ الغجر توقّفوا عند حدّ مرحلة البربريّة. فكان دور بافال حاضرًا لتكون رسولًا جائلًا بينهم في أنحاء الأرض، محاولةً نقلهم إلى المرحلة الجديدة، وذلك بمساعدة زوجها آدم (غير الغجريّ).
ثمّة إشارات واضحة في الرّواية تؤكّد أنّ الغجر عالقون في المرحلة البربريّة ولم يتجاوزوها، مثل: تداول لغة بدائيّة شفهيّة غير مكتوبة وإشارات غير منظّمة، والحياة في جماعات متنقّلة، عدم الاستقرار، لا مكانيًّا ولا في مؤسّسة زواج ثابته، بل كانت علاقاتهم جماعيّة أوّليّة: “على البنت، حسب تقاليدنا، ألّا تفقد عذريّتها كي لا يرفض شراءها أي رجل” (ص 96).
لقد اعتنقوا الأديان والمذاهب، وكان سلطة أسرارهم ومعتقداتهم أعلى من الدّين وأعلى من الارتباط بالمكان: “قرون طويلة مرّت وهم غجر، ظلّوا كذلك. اختلفت ألقابهم وتسمياتهم ولم تغيّرهم القرون… حلّوا في آلاف الأمكنة حول العالم وظلّوا كما هم، لم تغيّرهم الأمكنة.. اعتنقوا الدّيانات والمذاهب المعروفة وبقيت لهم أسرارهم” (ص 170). يمكن ردّ استخدامهم للطّقوس المتكرّرة في الرّواية، مثل الرّقص والموسيقى، إلى كونها وسيلةً لاستعادة الهويّة وبنائها من جديد، فتشكّل الرّموز الأسطوريّة المتناقلة بينهم نوعًا من “الميثولوجيا الجماعيّة”، لتحافظ على ذاكرتهم المشتركة في ظلّ غياب كتابة تاريخيّة رسميّة.
حملت بافال على عاتقها محاولة نقل الغجر إلى طور الحداثة وبناء الحضارة، من خلال رحلتها الطّويلة بينهم، ودعوتهم لبناء المدارس وتعليم الفتيات وتنظيم المصاريف والتّجارة، وتعليمهم الحرف واللّغة: “اتّفقنا نتجمع. نلفّ على بعضنا، نطوّر الشّغل حتى نبني مدرسة… واتّفقنا على توحيد لغتنا. اتّفقنا على الرّومنية… قالوا الرّومنية لازم تكون لغتنا. لازم نحافظ عليها…” (ص 35). وفي مثال آخر: “قالت لنا علينا أن ننظّم الأسرة، علينا أن نؤخّر سنّ الزّواج وألّا ننجب الكثير من الأطفال. قالت يجب أن نستفيد من المدارس المجانيّة. علينا أن نعلّم الأولاد، وخصوصًا البنات” (ص 54).
أمّا آدم، فقد تجاوز دوره البحث عن بافال إلى كونه مساعدًا لها في تحقيق هدفها، فقد ساعد أسهم في تطوير حرفة النّحاسة لتكون تحفًا فنّيّة، لا أدوات لصناعة الأكل داخلها فقط: “ما رأيك لو نتعامل مع الأواني النّحاسيّة القديمة على أنّها تحف للزّينة وليست للاستعمال المطبخيّ” (ص 101)، “نشتري الأواني النّحاسيّة القديمة، فننظّفها ولا نعيد طلاءها من الدّاخل، بل نحافظ على ما يوحي بقدمها” (ص 102).
ثالثًا: اللّغة وبناء الحضارة
إنّ تدوين اللّغة من أبرز الأسس لبناء الحضارة وتخليد تاريخها، يقول “كارل يونج”: “إنّ العالم يشبه المنزل الذي نبنيه لأنفسنا، غير أنّ مادّة بنائه هي اللّغة، إنّ العالم الذي نختبره هو نتيجة لتصوّراتنا وأفكارنا، وأنّ هذه التّصوّرات تتشكّل وتتحدّد من خلال اللّغة التي نستخدمها. بمعنى آخر، اللّغة ليست مجرّد وسيلة للتّواصل، بل هي أداة لتشكيل الواقع وبناء الحضارة. وهذا ما يفسّر عدم قيام الحضارة لدى الغجر، فهم يمتلكون –بحسب الرّواية- لغة شفهيّة غير مكتوبة، لغة من دون قانون مكتوب، ومن دون أرشيف. ورد في الرّواية: “ليس لنا كتاب نعود إليه، فقط أغنيات طويلة تُحفظ في الصّدر” (ص 102). يعكس هذا الاقتباس غياب اللّغة المكتوبه كوسيلة توثيق، ما يضع الغجر خارج ما يمكن تسميته حضارة. “بدأ بسؤالي عن كتابة اللّغة الرّومنية. أجابني بأنّها غير مكتوبة” (ص 103).
وهنا، برز دور آدم في مساعدة الغجر في تشكيل حضارتهم، بابتكار لغة مكتوبة بأحرف عربيّة، لكنّها تستند إلى لغتهم الشّفهيّة: “فاجأته بفكرة لا أعرف كيف ملأت رأسي: ما رأيك أن نكتبها بالحروف العربيّة؟” (ص 103)، فالغجر لا يملكون حضارةـ لأنّه ليس لديهم تاريخ مكتوب. فحين لا يمتلك الإنسان اللّغة يُهدَّد في ذاته، ويتحوّل إلى كائن صامت، لا شيء يثبت وجوده. وقد نجح في ذلك: “لقد انتهينا من وضع الحروف العربيّة للأصوات الرّومنية مضيفين بعض الرّموز فوق بعض الحروف لتمييز الأصوات التي لا يؤدّيها الحرف العربيّ بشكل دقيق” (ص 103).
الخاتمة
في “دروب ملوّنة”، لا نقرأ حكاية عاديّة، فقد نجح الكاتب “صالح إبراهيم” في استدراجنا إلى رحلة فلسفيّة في الوجود والتّيه لدى جماعات موجودة لكن لا أثر لوجودها. تمضي الرّواية على خيط رفيع بين السّرد والأنثروبولوجيا، إذ تغدو الجماعة الغجريّة مثالًا للمرحلة البربريّة، تعيش في حالة من “اللّا مكان” و”اللّا زمان”، وتتحوّل طقوسهم اليوميّة إلى أدوات مقاومة رمزيّة ضدّ التّعسّف الذي تعانيه، ونكران وجودها. تشكّل لغتهم الكينونة الضّائعة بقدر ما هي شرطٌ للوجود. تنطلق بافال من فكرة أنّ على كلٍّ منّا مسؤوليّة بناء ذاته، وقد جسّدت وزوجها آدم هذه الحالة الرّوحيّة بانطلاقهما بالغجر نحو ضوء الحضارة. واللّافت أنّ الصّفحة الأخيرة من الرّواية تحيلنا إلى الصّفحة الأولى ما قبل السّرد، لنفهم أنّ الزّوج قد أخذ عتمة اللّيل، كي تنطلق الشّمس في رحلتها؛ فكان آدم القمر، وبافال الشّمس. وفي نهاية هذه الرّحلة الجميلة، ندرك أن الغجر ليسوا فقط “آخرين” عنا، بل هم وجهٌ منّا؛ مرآة لإنسانٍ ضائع، يعيد اختراع ذاته عبر الحلم والأسطورة. وهكذا، تنتمي دروب ملونة إلى الأدب الذي يُفكَّر فيه، لا الذي يُقرأ فقط.

