– القراءة الأولى –
نتشابه في الظل نتباين في الضوء
صقيع التجربة الحار
د. محمد وهبي
الظل: حجب الضوء، تجسد اللاوعي وبعض المكبوت من الذات، كف سلطوي للأفكار والرغائب واضطراب في التوازن الهرموني الدماغي يتسلل عبر وهن شبكي مترافق مع شرخ في عملية تكامل النظم الحاكمة في نشاط المناطق الدماغية.
الضوء: تجسد الوعي وانكشاف عظيم للذات، عري الحقائق إذ تشتدُّ رقابة السلطة الفظة طاقة متجددة تترجم موجة وجزيئاً في آن معاً، توازن دماغي هرموني مع تكامل نظم المناطق ومنعة الحراك الشبكي.
إنه صراع البنى: وحدة الاعماق في العتمة واختلاف الذوات في النور حيث التساؤل الأساس:
كيف تخرج الدفائن وبأية لبوس تتمظهر وتتجلى؟؟
ها هو الليل حارس الأعمار ورفيق الأحداق القديم، يمارس سحره ويطلق غواياته ويخرج من تعاقب الزمن ذاته ليأنس إلى خمرته وثمالته يعب خمر العيون بل العيون ذاتها، باب المعرفة الحسية الأول وسيدها، باب مشوب بالرداءة والمرارة وبؤس التجربة الوعرة المشعثة.
وإذ يغادر الليل تسلسله الزمني متأنسناً متهالكاً في الحانات ومراتع الليل البهيم، فإن الحانة تتمرد على استنقاعها المكاني لتلج سياق الزمن حيث تقصر الأعمار وتضيق المساحات.
وإذ تلقى الخمرة في الوجوه ويحل النهار، تنغرز في الملامح تجعدات وغضوناً، لعلها نتف من سديم العمر وبقاياه، بل لعلها آثار السكر الفوار الخارج من أعماق الليل لمباغتة النهارات وخلع بديهياتها.
لست وحدك. ها هي الجموع الطامحة إلى المجد والمحكومة بنزاعات السيطرة وعشق الظهور العصابي، تستبيح إيقاع الكلام وتهذر بالفارغ من نشيد اللغة، وهي في خسرانها المتكرر وفشلها الذي لا يقاوم تفتح كوى للعابرين والمارة، فتخرج من الضوء والظل معاً إلى ظلمة كلية تقبع في زنازينها وتسقط في سوادها العميم.
من الحانة إلى السرير ترنُّحٌ مضطربٌ يصيب العقل ويمعن في القلب تجريحاً وتقتيلاً. لقد أشعلت الأقنعة القلوب، فلا القبلة القادمة من مداخل المسار الهضمي ولا العناق المقبل من نشوة الالتحام، بل من جرف التكوين البدئي الالتهامي، كافيتان لتبديد ما استقام واستبد من عنف الافتراق واشتعال الغربة وجريمة الحب.
العناق لا يزيل الفراق والتوازن المنشود بين الانفعال (الجهاز الحوفي) وسلطة العقل (القشرة الجبهية الأمامية) يغيب ويمحى. عنف مضمر جامح ساخر يتحكم ويطغى. انكسار الحدوس واندماج الأضداد المحال. ثنائيات تخسر إيقاعها، غياب الغربات الرثة وحضور الذكريات المجرحة المثقوبة.
لقد أتخموا من العسل وبدأوا يكرهون الطعم الحلو (شكسبير).
ها هي العيون المنبثة في خبايا الأسرة تؤكد أن مأساة الحياة كلها في أن لا تحصل على ما تريد، وأن نعش الزمن الآتي هو دثار القلوب المكلومة الذي يدعدغ جمال الحب الافتراضي الواهم.
لقد أكملت القشرة الجبهية الأمامية تراجعها الليلي إذ أخفق وجهها الذاتي الاجتماعي في اندفاعات لا تأبه بالمعايير وانفعالات لا ترى سياقات المستقبل ولا تنظر إلى احتمالاته.
في جبهة المواجهة الكبرى تداعى الجهاز الحوفي والحصين واللوزة وشبكة الوضع الافتراضي جميعاً، تداعت قريش غثها وسمينها، لإعادة صياغة رواية الحياة، إذ ربطت الذاكرة بمسارها الزمني المبعثر والمتناثر، لتستمر الأنا المفعمة بحزنها الداخلي العميق وبشروخ أصابت الجسد والروح وبترميزها العاطفي لتجاور الأحداث وتعاقبها، وإدراكها لجوهر الحزن والانكسار، والارتداد الموجي لمتاه الخيبات وانتصار الفجيعة المؤسلب.
ها هي العيون الكوانتية المبثوثة في عمق الوسادات وفي بياض الأغطية أين منها (تيلي سكرين) جهاز أورويل العظيم، وأين منها (تشات جي بي تي) جهاز أحبار وادي السليكون: ماسك، التمان وزوكر و…
تعري الوجوه وتمزق أستار غيابهم وتبدد حجب حضورهم المخادع المخاتل.
إنه الغياب الحقيقي القصدي الذي أرادوه وأمعنوا فيه، بل إنه الحضور الطيفي الذي يتلاشى ولا يستقر على حال، جسيمات افتراضية تموت وتحيا في كل حين.
ما الذي يبقى من هذا الوجود الهش المستلقي على عنف سحابي؟؟
لا شيء، اللهم إلا هذا الخط الملحمي الممتد من الهزائم، هذا الجوهر من الأسى والندم ومن نتف الذاكرة المثقوبة بالأوزار والمثقلة بإيقاع موؤود لا يباح له سر.
إنه اللغز، لغز الأسئلة الواقف على رأسه من أولات الزمن.
السرد بين الجرح والزمن:
عندما أكملت قصتي، كافأتني على حمولتي بإشفاق مثير.
ها هي تحدث أطفالنا عن قصتنا بغرور يوارب الأحداث ويداورها ويمكر بها. كذلك غرَّ إبليس آدم ففعل آدم الأكل الضار.
لقد فاتها أن القرب بعد، وأن الضوء كاشف هنا وستار هناك، لقد سفرت ولم يكن لظهورها العاري أن يرج كينونتها هذا بعد أن استترت واختفت في أولات النص.
ولكننا وفي تقليب متشابه ومتصاعد نعيد الحبك الحكائي ذاته، حيث جديد الأنسجة يناقض المحاكاة ذاتها، ويغرر بالمشابهة ويلغم فعل التماثل ويفتح على بحر الاحتمالات.
لا عجب!! فالأنا الجمعي المحكوم بالمجد والمقيد بعشق الذات ونهم النفس يوازن أبداً بين الخسائر والأرباح، يخيط فتقهما ويلقيه على أبطال المسرح وشخوصه، يحور كلامهم، ويموِّه طبائعهم، ويترك لجوهر الأحداث أن يسيل ترحاً وأن يبدد حلم السعادة الفاتن باللوم العارم ونعيم الامتلاك الزائل.
لا بدء تعرفه الخطايا، تناظر يتكثف هنا ويتلاشى هناك أو يكاد، لغة تنبثق من هذا الرماد، حصين حصيف متدثر بغضب اللوزة وخوفها وكل متعتها، يلبس أثواب الراوي ويلملم هذا كله ويعيد بناءه من جديد.
هنا تتقدم القشرة الجبهية الأمامية إلى الساح، تمسك بشطط الذاكرات الانفعالية، فترسم حدود الحكايا وتوازن بين استرجاع ما فات من الزمن وما سيحمله الخيال المجنح من رموز واستعارات تتكثَّف في ملامح المجاز المستقبلي الآتي.
تعاون بل ائتلاف شبكي يحيل إلى شبكة التنفيذ، السلطة الإجرائية التي لا تجازف بالأصول ولا بسديم التواصل والتداخل، وإذ رأت أن معرفة البدء محال بلغة المناطقة، وبما أن البدء هو الأساس والحركة والجوهر، فلا بد من الإحالة، ولا بد لشبكة البروز أن تحسن القول والفعل، لتستدرك وهي تهندس التعاقب الزمني والسببي في آن معاً، قائلة: لا بد من قلب رياضيات المعادلة، والانطلاق من النتائج لسبر المقدمات العصية على البرهان.
في فيزياء الكون إذا كان الانفجار الكبير بدءاً لتشكل هذا العالم فلا بد من تمدد الفضاء وتسارعه ومن وجود بقايا إشعاع تلف المجرات كلها حيث المادة المظلمة وطاقتها وحيث النسب المحددة لتوزع العناصر الخفيفة في هذه الأفلاك و…
ولما كان الشعر ربيب الفيزياء، وفتنة اللامرئي فيها ومنها ولما كان الجرح هو البدء والأساس والجوهر، ولما كانت معرفته من المحالات فلا بد من مقاربة تحاكي رياضيات الكون وفيزيائه.
إذا سأتقدم أنا الرواي وسأمسك بالنهايات، بآخر خيوط الجرح، وأعود القهقرى لأنسج ثوب المجاز على جسد الأمس وأمشي، ولكن رغم وحدة الخيال وعظمته فإن مفارقة تكسراته خائبة وشديدة الفجاجة: القياسات والحسابات لا تتناسب مع الوقائع ولا تتلاءم مع الحوداث.
سخرية مرة تطيح بشمس الخيال: لا ماضي الزمان يقبل منمنات الألبسة وحلاوة التطريز، ولا الشعر يرضى الاستكانة لرموزه واستعاراته وكل الإزاحات فيه.
استعصاء تام يوؤل إلى اتحاد الزمن والشعر، الانتفاض والتمرد لبث بعض الروح في الحاضر من الحياة، وبعض الريح في الأفنان الملتوية والأوراق المنهكة الآيلة إلى الأفول.
في الطريق الطويل إلى الألم الكياني، تتحول الحياة مراراً إلى وجود أنثوي رائع يفتح اليد والقلب، ويعد بالولادت البكر يقرب منا ويتودد إلينا متواضعاً، ألقاً ومفعماً بالطيبة والاحترام.
ولكننا ونحن في لب الصراع – التیه نرفض نسق الإتاحة هذه، نواجه الطيبة المعطاء للحياة- المرأة بالجفاء والصد ونقابل ثراء المحبة بالعنف المقنع. لعل النسغ الذكوري القابع في خياراتنا الحرة، يعيق أواليات التواصل والتشكل، نسغ يلوث الولادات الفائرة ويغرق في صدأ الحزازات القديم.
ها هي بتعفف حديدي تغادر محطات اللقاء لتتركنا في عراء البراري دون اتهام وافتراء، لعلها تردد في مسار غيابها يرضى القتيل وليس يرضى القاتل.
وإمعاناً في نزوع سادي أصيل يتجاوز الأعراض عنها والامتناع عليها، نلح في إذلالها الخجل هذا وآثار حماقاتنا تحفر في جمال صورتها متزينة بلباب المنطق ومتوشحة بروح العقل.
إنه الصراع الداخلي الدماغي مجدداً: عقل القشرة وانفعال الجهاز الحوفي.
دوبامين يتأرجح رغبة في استعادة ومضات اللذة الهاربة، وولعاً بإضاءات العقل الباهرة، سروتونين في طور من التساقط النغمي، يرش ترف الاستقرار الخفي باللوعة الباردة، وكورتيزول متدرج الصعود يوشي بالقلق الظاهر والارتباك الحميم كل الذات.
ولما كان انفجار الصراع وتشظيه خارج الاحتمالات أبداً، فإن البناء الشبكي الحكائي الراصد للتفاصيل وتداعياتها الساخرة يهب متسلحاً بقدرة الإبدال وطموح العقل لحماية الأنا والعودة إلى هندسة أولية للتعارض.
عود دائري حلقي إلى البدايات إذن: العتمة مكان التشابه والضوء مكان الافتراق والتباين والاختلاف.
وأنت المرأة الأصل تعودين إلى مساءاتنا الحزينة حيث حضيض الإخفاقات وقعر الانكسارات وحيث المرض الذي لا براء منه.
أنت المرأة الأصل تعودين، تريدين لقيان السماء وثريا النجوم، تتوسلين أمصال الكبرياء والعظمة في الحركة الدائبة للقبض على أسرار الشغف ونبض الافتتان.
ولكنك وأنت الأصل في محاكاة التكوين والتشكل تعودين إلى عنف أصيل سابق على الوجود، يتجاوز طيبتك ويبتلع حبك.
عواء افتراسي يحل في عينيك وقلبك كأن اتساقك الداخلي يغادر إلى خراب مرير، وكأن قاع التدمير الغرائزي والشهواني فيك يجتاح رعف دمك.
وإذ تفعلين هذا كله أصير ذئباً يسابق الزمن في كتب المسايا، حيث تفترسني كتبي وتمزق لحمي وشراييني.
ولكن الزمن الوافد من انفتاح كياني يتمرد على التنافي والتباغض يشف المادة ويورق النشوة ويظهر ابنتي بكل سحرها وبهائها لتزيح الظلمة عن ناظري ولو إلى حين فيسري انخطاف في وجودي، ويدركني الوجد ويغمرني إشراق خلبي.
وإذ تبسمين تهب النجوم اشتعالاً، وإذ راودتك إغفاءة رائقة وتسللت إلى أجفانك المتعبة، خيم الليل في فؤادي تمدد واتسع ودخل في الغياب.
عراك خفي يجري في عروقي غموض مفارق يطيح بالعماء الكوني، وأنا أهفو إلى العبور منذ الأزل.
أباطن هو أم ظاهر؟ أجلي نقي أم مستتر غيمي؟؟
هنا في احتدام الأزمة واشتباك الأسئلة أنصت إلى دمعك النجمي يتراقص ويتلألأ في هباء المجرات الرهيب وفي لحظة استراق شديد الحدة ورقيق الرهافة تتحرك النجوم فرادى، وإذ تتقدم واحدة إلى حتفها واحتضارها أسرق ومضة من ضوئها فتولد القصيدة.


