رُشْد الطّريق
د. درية فرحات
التحف سواد اللّيل، وسار يجوب الشّوارع بخطوات بطيئة، وبذهن شارد، تتخبّط خطواته، فيتعثّر ببعض الحصى المنتشر على الطّريق، يحاول أن يعيد توازنه، فتعلو فمه ابتسامة ساخرة، إذا استطاع أن يعيد توازن جسده فكيف يستطيع أن يعيد توازن عقله؟ بل قل كيف يعيد التّوازن إلى قلبه، وهو منذ السّابع من أكتوبر 2023 يعيش شتاتًا لا حدود له.
يهتف بداخله هاتف هل هو الشّتات أو العودة إلى الصّواب؟ بدأ قبله يخفق ويضجّ ضجيج صولات معارك كره سماع صوتها، وبغض خوضها. وعاد التّساؤل إلى عقله هل قراره بالرّحيل وترك البلاد التي لم تكن يومًا له ولهم، هو القرار السّليم؟!
كيف يتخلّى عن موروث زُرع في قلبه وعقله؟ كيف يتخلّى عن سرديّات رضعها منذ الصّغر فأقنعته بمواقف وتصرفات يراها اليوم في موضع الشّك والتّكذيب؟
إنّه يعيش منذ ذلك التّاريخ في عالم آخر أوصله إلى اتّخاذ قرار الرّحيل، وظلّ الإحساس بالذّنب وبالظّلم يلاحقه، على جرم ربما اشترك فيه لأنّه صدّق هذا الموروث الغبيّ الذي حمّلوه إياه، يجب عليه أن يصل إلى قرار ينقذه من هذا الضّياع، يعيد إليه توازنه، يعيد إليه إنسانيّته.
لكن كيف يمكن محو آثار دماء وقتل وإبادة؟ كيف ينسى نظرات أطفال شردتهم الحرب وأبادتهم آلة القتل؟ كيف يزيل من خلاياه العصبية للجزء العلويّ لدماغه كلّ ما له علاقة بفصوص هذا المخّ الذي يتحكّم بتفكيره وحركته وكلامه وذاكرته وعواطفه؟ كيف يزيل من جذع دماغه الجزء المتّصل بحبله الشّوكي المتحكّم بوعيه وتنفسّه وضربات قلبه لينسى كلّ الصّور التي رآها في هذه الحرب؟ هل يستطيع هذا الدّماغ أن ينسى منظر توءم جاء إلى هذه الحياة وغادره قبل أن يفتح بصره على ما في هذه الدّنيا من أمل وألم، من فرح وترح، من غبط وغمّ، من يسر وعسر، ومن بسط وقبض، من كل ما فيها من خير وشر؟
تساؤلات وتساؤلات تناوش عقله، لعلّه يستطيع الوصول إلى رشد الطّريق، وتعود خطواته إلى تلمس المسار، ويغيب في ظلام الليل، حاملًا هاتفه يدوّن وصيّته قبل الرّحيل.
وينبلج الصّبح على حريق كبير، وبدأت وكالات الأنباء في كلّ أرجاء العالم تتناقل الخبر الآتي: “وسط الهدوء التّام الذي يسيطر على المدينة، استيقظ السّكان في السّاعة السّادسة من صباح السبت السّابع من اكتوبر 2024 على اشتعال النّار في مطار بون غوريون الدّولي” .
ونشطت الوكالات في التّعريف بهذا المطار، فهو المطار الدّوليّ الرّئيسيّ في اسرائيل، يقع في الضّواحي الشّماليّة لمدينة اللّد، يقع على بعد 45 كلم شمال غرب القدس، و20 كم شرق تل أبيب. هذا المطار الذي يعدّ مركز عمليّات رئيسيّ لشركات الطّيران الإسرائيليّة.
وتنشط صفحات التّواصل الاجتماعيّ في البحث عن تاريخ هذا المطار الذي كان يعدّ هدفًا لهجمات المقاومة الفلسطينيّة، وإلى اختطاف الطائرات عبره، فمن حادثة في العام 1972 عندما قام أربعة فلسطنيين بخطف طائرة تابعة لشركة سابينا وأُجبرت على الهبوط في مطار بن غوريون، وحادثة أخرى عُرفت باسم مذبحة اللّد وقُتل فيها ست وعشرين شخصًا، وجُرح ما يقارب من الثمانين شخصًا، وقد نفّذ هذه العملية ثلاثة من اليابانيين ينتمون إلى تنظيم “الجيش الأحمر الياباني”.
أمّا في مقرّ الجهات الرّسميّة فبدأت الاتهامات تتراشق، وفي مركز جيش الدّفاع الإسرائيلي بدأت القيادات تستعد لشنّ الهجوم على المعتدي، والبحث عن الجاني. التّخبط يسود المكان، والذّهول يعمي الأبصار، فهل عادت إلى هذا المطار لعنة الاعتداء عليه، وكيف يكون ذلك وهو محصّن أمنيًّا؟ فالبحث عن الاتّعاظ من الحوادث السّابقة يتطلّب حماية واسعة.
عاد القلق والخوف والذّعر يسيطر على المستوطنات والمدن الإسرائيليّة، إنّه ذعر السّابع من اكتوبر الذي خلخل النّظام الدّاخلي، وأزال الشّعور بالأمان، فساد الهرج والمرج مدن تل أبيب وريشون لتسيون وأشدود وبئر السّبع وبيتح تيكفا ونتانيا وبات يام واشكلون ورحوبوت وإيلات وليزيون وبيتار عيليت وجفعاتايم وغيرها من المدن، وسعى الكثير إلى الفرار، لكن أين المفر ومطار بن غوريون دمُّر بالحريق الكبير؟ أين المفر والخوف من غضب الشّارع الفلسطينيّ؟ فبدأ مجلس الحرب عقد اجتماعاته لاتّخاذ القرارات السّياسيّة توقعًا لاندلاع حرب.
وفي معمعمة هذا التّخبط تتسلّل رسائل فيسبوكيّة، يتناقلها التابعون للصفحات super fan، ومن صفحة إلى صفحة تنتشر اعترافات مجند إسرائيلي، جعلت هذه الاعترافات الأنظار تتّجه إلى مكان آخر.
الرّسالة الأولى:
أنا ديفيد كوهان المجند الإسرائيليّ أقرّ بأنّني في السّابع من أكتوبر 2023 وقعت أسيرًا لدى قوات حماس التي بدأت بهجوم مفاجئ على إسرائيل، وقد سمّته بعملية طوفان الأقصى، واستطاع العديد من مسلحي حماس اختراق الحاجز بين غزّة واسرائيل بشنّهم هجومًا عبر السّيّارات رباعيّة الدّفع والدّراجات النّاريّة والطّائرات الشّراعيّة، وغيرها على البلدات المتاخمة للقطاع التي تعرف باسم غلاف غزّة حيث سيطروا على عدد من المواقع العسكريّة خاصّة في سديروت.
الرّسالة الثّانيّة:
لم أتوقع أن تكون معاملتي في الأسر وكأنني في مكان آمن، كلّ الرّعاية والاهتمام، هل أنا في أسر والمنطقة من حولي تغلي؟ سألت آسري عن اهتمامه بي فكان ردّه بابتسامة نحن لا نقتل أسرانا، ديننا وقيمنا تفرض علينا ذلك، نحن نتبع وصية نبيّنا، فقد روي عنه أنّه قال في بني قريظة “لا تجمعوا عليهم حرّ هذا اليوم وحرّ السّلاح” وقال “أحسِنوا أسارهم وقيّلوهم”، وآمرنا بألّا نعذب الأسرى بالجوع والعطش، هل تعرف من هم بنو قريظة؟ وكم كان ودودًا وهو يشرح لي معنى ما قال.
الرّسالة الثّالثة:
أرعبني ما سمعت من أصوات قنابل وصواريخ تدكّ معالم غزّة، وروعني ما سمعت عن مجازر القتل وما فيها من مناظر بشعة وقتل وتدمير، وهالني ما عرفته عن الاعتداء على المستشفيّات، وتدمير الأحياء وتهجير النّاس.
الرّسالة الرّابعة:
نعم خرجت من الأسر، لكنني خرجت من الأسر إلى السّجن الأكبر، خرجت إلى عالم لم يعد كما تعوّدت عليه، فقد أيقنت أنّنا مغتصبوا هذه الأرض، ولا بد من الرّحيل، ألم نغتصب هذه الأرض لأنّه قيل لنا بأنّها أرض الميعاد، ولأجل ذلك طبقنا ما قيل “وَسَبَى بَنُو إِسْرَائِيلَ نِسَاءَ مِدْيَانَ وَأَطْفَالَهُمْ، وَنَهَبُوا جَمِيعَ بَهَائِمِهِمْ، وَجَمِيعَ مَوَاشِيهِمْ وَكُلَّ أَمْلَاكِهِمْ. وَأَحْرَقُوا جَمِيعَ مُدُنِهِمْ بِمَسَاكِنِهِمْ، وَجَمِيعَ حُصُونِهِمْ بِالنَّارِ”.
الرّسالة الخامسة:
هل أنا إسرائيليّ؟! ماذا تعني هذه الجنسيّة؟ ماذا قدّمت لي؟!
الرّسالة السّادسة:
هل رحيلي سيعيد لي إنسانيّتي؟ كيف أجعلكم تشعرون بما شعر به أهل غزّة؟
الرّسالة السّابعة:
نعم سأرحل عبر مطار بن غوريون لكنّه الرّحيل إلى العالم الآخر، ولمن يريد أن يتأكد من هويتي وأنّني صاحب هذا الحساب الذي قرأتم فيه رسائلي، ستجدون هويتي وأغراضي الشّخصيّة حيث كنت أهيم على وجهي في الظّلام، فلا تحمّلوا الآخرين وزر حرق المطار.
الرّسالة الأخيرة:
نعم إنها رسائل ذلك الجندي الأسير الذي كان يفترش الطّرقات بحثًا عن رُشْدها.


