القصّةالمجلة

ما لا يذبل

ما لا يذبل

أ. نسرين بدوي

 

‎عندما وصلتُ إلى بيت صديقتي، رأيتُ ما أبهج قلبي: زرعٌ أخضر وورودٌ كثيرة تزيّن مساحة الشّرفة الواسعة.

‎التفتُّ إلى وجهها المشرق، فابتسمت بعينين مفعمتين بالفخر والحبّ، وقالت:

‎”ابني يزرع الورد ويربّيه، لقد افتتح مشتلاً لبيع الورد.”

‎قلتُ: “يده خضراء، ما شاء الله.”

‎ومنذ تلك اللّحظة عزمتُ على أن أشتري وردًا من عنده… وفعلاً فعلت.

‎اشتريتُ زهريةً نصحني بها، وقال: ‎”عليكِ بسقايتها يوميًا، لا تنسي، فتذبل.”

‎كانت ورود الزّهرية ثلاثة أطباق جوريّة ساحرة. وضعتُها على طاولة الشّرفة، فكانت تمنحني سكينةً كلما احتسيت قهوتي.

‎كنتُ أحدّث نفسي: ‎الله يحمي لك ولدك…

‎وتدمع عيني.

‎فهي أمٌّ خبرت الفقد من قبل… فقد زوجها ثم فلذّة كبدها في الحرب الاخيرة، ومع ذلك ظلّ في قلبها ما يكفي لتُزهِر من جديد.

‎مرّت أسابيع، انشغلتُ خلالها بأعمال خارج البيت، فغفلتُ عن رعايتها.

‎لم أسقها… فذبلت، ثم يبست.

‎نظرتُ إليها بحزنٍ، ولُمتُ نفسي على إهمال نبتةٍ واحدة فقط.

‎قلتُ: لا بأس… غدًا أشتري غيرها.

‎لكن لم افعل، فبينما كنتُ أؤجّل ذلك، كانت البلاد تنزلق نحو الحرب من جديد.

‎نزح النّاس عن بيوتهم، وشدّ الرجال إلى ساحات الدّفاع، كالشّوك يغرزون أظفارهم في عنق العدو.

‎كنتُ أتابع ما يجري عبر “فيسبوك”، أقلّب صفحاته التي امتلأت بمعايداتٍ ممزوجة بالألم والدّعاء، وصور وردٍ وأمهاتٍ وأبنائهن.

‎ثمّ فجأة… وقعت عيناي على صورة.

‎ثلاثة وجوه.

‎أولاد صديقتي.

‎ابتهجتُ بهم للحظة… كانوا كالورد.

‎أجمل هدية يمكن أن تُمنح لأمٍّ تعبت في إنباتهم، في رعايتهم، في سقيهم يومًا بعد يوم.

‎لكنّني… حين قرأتُ الكلمات المرافقة، ‎سكن كل شيء. ‎أعدتُ القراءة. ‎ثم فهمت.

‎لم يذبلوا… بل سبقوا الذّبول.

‎عندها فقط… أدركتُ ‎أيُّ يدٍ خضراء كانت تزرع ما لا يذبل، بل ما يخلد!

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى