القصّةالمجلة

ما بعد الفيلم

ما بعد الفيلم

أ. نجوى الموسوي

 

ملأت رأسي سخونةٌ حتى كاد الدّخانُ يخرج منه. أيُّ مصير ينتظرني؟ دخلتُ القفص المخصّصَ للمتّهمين. ما زلت مقيّدةَ اليدين مسرّحة الشّعر، محمّرة الخدود. لا أنكر أنني كنت بخير وهدوء ونظافة طوال الأيام الماضية. ستبدأ الآن مسرحيّتهم السّخيفة بنظري وبحسب تسميتي. إنارةٌ بيضاء تشعّ فوق منصة القضاء فيلمع شيبُ اللّحى. أي حكمٍ سيصدره هؤلاء بحقي؟ جمهورٌ من فئات عمريّة مختلفة. أتقدّم وأمسك بقضبان حديدية تفصلني عنهم. تتقدمُ في عقلي الصّور. أهذا هو المكان الذي صرت إليه؟ أقاعة محكمة تليق بي؟ أنا التي يومًا ما، رآني النّاس شابة جميلة مختالة على سجادة حمراء. حملت “أوسكار” الحلم. حلمٌ عملت من أجل إنتاجه شهورًا. وقتها كان ذلك المكان هو الفضاء المشتهى. حصد فيلمُ عمري التّوثيقيّ جائزتين: أفضل تصوير وأفضل إخراج.

الآن أخشى أن أصبح نفسي فيلمًا! هل أكون مثل بطلتي العجوز؟

كانت “بطلتي” في فيلمي الحلم تتحدّث عن هجوم كائنات غريبة على منطقة تملكها. في “المونتاج” تعمدت إظهار تجاعيدَ بطلتي التي تثير الشّفقة، تعمدت أن أجعلها تتحدّث بلهجةٍ تفطر القلب؛ فتكلّمت كم خافت حتى إنّها بكت! وضعتُ مع حكايتها مؤثرات مرئيّة وصوتيّة من أفلام “هوليوود”. كانت تروي كيف سمعتْ بمأساة أربعين طفلًا قُتلوا في مشفى، وقالت إنّها تشبه مأساة المحرقة الموصوفة تلك، كانت تروي كيف سمعت عن صحافيّة أميركيّة تركض قائلة إن فتيانا ملثّمين يطاردونها بعد أن أسروا مئات المستوطنين. الدّورُ الأساس أسندتُه إلى تلك  المسكينة مشتعلة الرأّس بالشّيب. هي نفسها من ساهمت قديمًا ببناء مؤسّسات وبيوت للهاربين من القارات إلى هنا إلى “أورشليم”. أما دورُ الظلّ فأعطيتُه لزوجها. هو تكلم كيف اضطُر بدوره إلى حمل السّلاح وربما القتل، “اضطرّ”، كي يصنع حزامًا أمنيًّا يحميه ويحمي بيته ممن يرجع ليطالب به. صوّرتُ عينيه الباكيتين وهو يتكلّم عن جرح نفسه؛ كم أوجعته فظاظةُ الفرحة لدى فتية وفتيات شبّههم بالحيوانات البشريّة… وقد ادّعوا شيئًا مستهجَنًا: “إنهم يردّون على محتلّي بلدهم! ويريدون تحريره!”.. المشهد الأخير كان الملك، اختُتم بدعوة إلى الانتقام من الكائنات الغريبة عن عالم الحضارة!  بعده انبثقت حروف عنوان الفيلم: الكائنات الغريبة!

أستفيق من أجمل ذكرى في حياتي. يهزّني صوت إعلان افتتاح المحاكمة. يخبرونني أنّ شخصًا قرّر أن يدافع عني. إنه إجراء قانونيّ. يا للهول. أتسود اليوم القوانينُ بلا “فيتويات”؟ أرفض. سأدافع عن نفسي.

يذكر الادّعاء العام تاريخ الحفل من الماضي ويقول:

– سيدة ليلى، أنت من فوّرت “الشامبانيا” ورفعت الكأس بينما قلت أمام شركات إنتاج: “إن من حقّ العجوز الهولندية التي تحمل جنسية “إسرائيلية” وزوجها أن نتذكّر خوفهما بسبب هجوم السّابع من أكتوبر!”. ألَيس كذلك؟

–  كان خوفًا حقيقيًّا وبكاءً.. أتعرفون ما الخوف وما انهمار الدموع؟

– ولكنّك تجاهلت انهمارَ دماء مئة ألف إنسان، وانهيار بيوت وحياة وكنائس ومساجد، ومدارس إيواء ومخيمات نزوح و…

– أنا كنت أوثّق من خلال الفنّ ما صرّح به رؤساءُ وديبلوماسيّون حتى من شعوب عربية مثلكم!

– أنت متّهمة. أنت دعوتِ صراحةً من خلال الفيلم إلى مسح أصحاب الأرض الأصليين عن وجهها! وهوجموا قبل أكثر من سبعين سنة. فبماذا تجيبين؟

–  كان يوجد رعبٌ أصاب عجوزين ضعيفين، كان عليّ أن لا أتجاهل هذا “بموضوعيّة”.

– هل الموضوعية أن تعرضي في الفيلم زاوية رؤية، وتتجاهلين الزّاوية المقابلة؟

– لم أكن أعرف أن هناك رؤية أو رواية مقابلة!

يهزّ المدعي العام رأسه ووجهه الأبيضين. وأنا أحاول ملاحظةَ كل حركة تصدر عنه وعن رئيس المحكمة، أحاول أن أفكّ رموز حركات أجسادهم. لكن الحقيقة أنّها كانت تفشي طمأنينة أستهجنها. تتعرّق يداي. ويضيق نفَسي، فأطرق بأصابع قدمي الأرض. ما الذي ينتظرني؟  يناديني الرّجل نفسُه الذي يرتدي الثّوب الخاص بالحقوقيين:

– أيتها الفنانة والمخرجة المحترفة كيف لم تعرفي؟ لقد انتشرت التّحقيقات المرئيّة، وهي تفشي كذبة المشفى والرّضّع. بينما “كاميرات” العالم بجهاته الثّمانية صوّرت الأطفال الغزّيين خلال احتضارهم جوعًا ومرضًا ونزيفًا وبردًا حتى الموت..

– هذه ليست تهمة، هذا خطاب!

–  حسنًا، سؤال: أليس كذبًا إخفاءُ الجزء الأكبر والأوّل من الحقيقة؟ أليس كذبًا إخفاء السّبب والتّصويب على النّتيجة؟

– قلتُ إني لم أكن أعرف شيئًا. أردت أن أصوّر مشهدًا فنيًّا. وهل هذا ذنبي؟ لا أحد ينكر حصول الخوف الذي أبكى وزير خارجيةِ “الدّولة” التي طالما أتحفت الفنّ العالميّ ثم منحنتي الجوائز…

– ذنبُك أنك أنكرتِ مذابح الإبادة الجماعيّة قصفًا، وإتلافًا للأدوية، ومنعًا للغذاء والماء، وتطهيرًا عرقيًّا.. بناء على كذبة سيئة!

هتفتُ مقاطِعةً ناحبةً:

– أنا بريئة ولا شأن لي بأي سيئات تتحدثون عنها.

ولكنهم لم يصغوا إليّ، ها هم يُرجعون قفل القيود. لقد أصدروا الحكم عليّ بالسّجن. وفجأة صرخ بي أحد الحاضرين في المحكمة بأعلى صوته:

“أسوأ منكم من شققتم أجسامهم بسكّين إعلامكم فأشفقوا عليكم من سماكة جلودهم! ولسوف تنعقد محكمتهم في السماء”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى