إشكالية المفهوم وتجليات الحكمة: من احتكار التصنيف إلى رحابة التجربة الإنسانية.

إشكالية المفهوم وتجليات الحكمة: من احتكار التصنيف إلى رحابة التجربة الإنسانية.
بدر خالد شحادة
باحث وناقد في الشؤون التاريخيّة واللغويّة
لطالما شكل سؤال “من هو الحكيم؟” محورًا للجدل في الفكر الإنساني. فقد مالت التراكمات المعرفية عبر العصور إلى حصر “الحكمة” في فئات بعينها؛ كالفلاسفة، أو الأدباء، أو الملوك، أو طبقة المستشارين.غير أن التمحيص الدقيق يكشف أن الحكمة أبعد من أن تكون إحاطة لغوية، أو قدرة على نظم الشعر والنثر، أو حتى سعة في الاطلاع تتجسد في ثقافة رفيعة متعددة اللغات؛ إنها قولٌ يتبعه “فعل” يتجسد في التجارب الإنسانية التي تثمر في معترك الحياة، مما يدفعنا لإعادة النظر في التخصصات الضيقة التي احتكرت هذا اللقب، والبحث عن الجوهر الحقيقي للحكمة وارتباطها بالوجود الإنساني.
لا يمكن بأي حال حصر الحكمة في “الفلاسفة” أو “الأدباء”؛ فالتاريخ الفكري يحفل بنماذج لمفكرين وفلاسفة برعوا في التنظير، لكنهم ضلوا طريق الخير أو قدموا تفسيرات للظواهر بناءً على أهواء أو نظرات اختزالية. فمثلا مقولة الزمن تعدّ من أبرز النظريات التي اختلف هؤلاء الفلاسفة مقولة الزمن.. ومنهم أوغسطينوس (أوجستين) و هنري برجسون و غوتفريد لايبنتز..
إن المسميات التي نطلقها اليوم كـ “فيلسوف” أو “أديب” هي في كثير منها نتاج تأطير لاحق وتخصص ضيق لم يكن حاضرًا في العصور القديمة. على سبيل المثال، كان أفلاطون باحثًا عن الحقيقة في السياسة والأخلاق والرياضيات. كما أنّ الكلمة ذاتها (فيلو-سوفيا) تعني “محب الحكمة”، مما يعني أن الحكمة هي الغاية المطلقة، وليست حكرًا على من يدرسها نظريًا.
فالتجربة الإنسانية ومواجهة النفس هي منبع الحكمة الفعلي!!
بالمقابل، قد تتجلى الحكمة بأسمى صورها لدى من لم ينالوا حظًا من التصنيف المجتمعي الرفيع، لأن الحكمة تنبع من صميم التجربة، وتنتصر في ميادين المواجهة مع “النفس الأمّارة بالسوء”.
يبرز هنا نموذج لقمان الحكيم؛ فلقمان كان عبدًا صالحًا ورجلًا حكيمًا ذُكر في القرآن الكريم بسورة تحمل اسمه، واشتهر برصانة العقل وبلاغة الموعظة. وتشير الروايات التاريخية إلى أنه كان رجلاً بسيطاً من بلاد النوبة عمل في رعي الغنم والنجارة، وعاصر نبي الله داود عليه السلام. تمثل سيرة لقمان دليلاً عملياً على أن الحكمة ليست حكراً على أصحاب المقامات، أو الجاه، أو النسب، بل هي منحة ربانية تُنال بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وتزكية النفس بالتفكر والتدبر. وقد صاغ لقمان هذه الحكمة في وصايا لابنه تُعد منهجاً تربوياً متكاملاً؛ جمعت بين أصول العقيدة كالتوحيد ومراقبة الله، والآداب الاجتماعية كبر الوالدين، والتواضع، والصبر، لتبقى سيرته نموذجاً خالداً يعكس جوهر الإنسان لا مظهره
هذا الإدراك العميق للتباين بين الظاهر والباطن، وما يعتمل في الصدور من تناقضات يأتي من احتكاك مباشر وعميق بطبائع البشر وقسوة الحياة، وهو ما يثبت أن الحكمة تخترق حواجز الطبقة والنسب.
تجاوز حدود العمر والطبقة.
وأما على الصعيد الطبقي والسياسي؛ فقد يعتلي العرش ملك حكيم رشيد يمتلك عقلية مؤسسية تقي دولته من الانهيار، وفي ذات الوقت قد تجد فقيراً معدوماً ينطق بالحكمة البالغة ويفصل في أعقد القضايا المجتمعية ببصيرة نافذة.
كما لا تُقاس الحكمة بسنوات العمر؛ فقد نجد شاباً حكيماً في استشرافه ورجاحة آرائه، وشيخًا طاعنًا في السن سقط في خياراته.
ولكن إذا أسقطنا كل هذه التصنيفات، فكيف نُعرّف الحكمة؟
إنّ الحكمة، في جوهرها، قضيتها الأولى هي الإنسان وما يدور في فلكه. وتنبثق من القاعدة الذهبية: “من عرف نفسه، عرف الإنسان، وعرف ربه”. هذا التسلسل المعرفي يمنح الحكيم:
- إحاطة عميقة ورؤية ثاقبة: قدرة على تشخيص أمراض المجتمع وتقديم حلول عملية لها، وتضييق مساحة السلبيات في أي ظاهرة.
- عقلية قياسية (Analogical Mindset): تبني أحكامها على المقاربة والاعتبار من دروس الماضي، وتحويلها إلى أدوات صالحة للتعامل مع الحاضر.
- رؤية استشرافية: لا تكتفي بقراءة الواقع، بل تتوقع مآلات الأمور، غايتها العظمى بذل الخير وتحقيق الاستقرار والارتقاء بالمجتمعات الإنسانية.
إن الحكيم هو من أدرك أن المعرفة وحدها لا تكفي إن لم تُتوّج ببصيرة أخلاقية، وتجربة حية تُسخر لخدمة الإنسان، ليكون بذلك البوصلة التي تهدي المجتمعات في منعطفاتها التاريخية الكبرى.




