مقالات

“كتاب الغرفة” لعقل العويط

الشاعر الملك، فمن مثله!؟

“كتاب الغرفة” لعقل العويط

الشاعر الملك، فمن مثله!؟

أ. د. عبد المجيد زراقط

 

“كتاب الغرفة”، للشاعر عقل العويط، كتابٌ صدر، مؤخَّراً، عن دار” نوفل”، في بيروت. نحاول، في هذه المقالة القصيرة، تقديم معرفة موجزة به.

الغرفة فضاء العيش

“كتاب” نكرة تُضاف إلى معرفة هي “الغرفة”، فيكتسب هويَّته منها، فما هي هذه الغرفة؟ جاء، في هذا  الكتاب: “شقَّتي التاريخية بطلة هذا الكتاب، في منطقة زوق مصبح، بيسوع الملك”، وجاء كذلك عن غرفته الكائنة في هذه الشقة التي اشتراها، في العام 1985: “…، كانت غرفتي هي جسدي وكياني ومتَّكئي وبطلتي؛ حيث العيش والمكتب والكتاب والمكتبة والسرير والشرفة البحرية، والذات والعالم، والأنا والآخر…”.

وإذ كانت هذه هي حقيقة الغرفة، فالكاتب، غير “المُنْهمِّ” بالتسمية، كما يكتب،  يسأل، ويقرِّر: “أهو كتاب الغرفة؟ أهو سيرتها، أم بعض لغتي وأسلوبي وعمري وسيرتي، من باب الاصطلاح والتجاوز، رأيتني أسميه كتاب الغرفة”. فالغرفة، كما يفيد ما سبق، ليست مكاناً جغرافياً، بل حالة تمثِّل فضاء العيش، فالكاتب، على سبيل المثال، يعود إلى سريره التاريخي فيها “كما يعود الناسك إلى صومعته، والعشيق إلى معشوقه، واجداً فيه ما يجده الحبر في الكلام المكتوب على الورق”، وما يكتبه عنها وفيها هو سيرة هذا الفضاء الذاتي، على مستويي الوقائع المعيشة والرؤى إلى العالم وقضاياه، فالشذرة الوقائعية يعقبها مقال قصير في موضوع تثيره، كما لدى الكلام على كرة القدم، والموت، على سبيل المثال، ما يعني أنَّ الكتاب هو سيرة هذا الفضاء، وكان مفتاح كتابته سؤال عابر وجهته إليه كاتبة مرموقة، وناشرة متخصِّصة، لا يذكر اسمها، عبر “الوتس”، بعدما نشرت له النهار نصَّاً مقتضباً عن غرفته، والسؤال هو: أهذا النصُّ جزء من كتاب؟

شذرات من سيرة كيانيَّة

وإن يكن الكاتب غير “منهمٍّ” بتسمية الكتاب، وقد اختار تسميته ، “من باب الاصطلاح والتجاوز”، فهو، كما يبدو “مُنْهمٌّ” بتحديد نوع الكتابة التي يتضمَّنها هذا الكتاب، فمنذ البدء بالكتابة، يقول، على لسان “امرأة المدفأة والنبيذ والجبنة الفرنسية”: “نصٌّ مفتوح، بل سيرة ذاتية، أو بعض محطَّات وشذرات منها، بما فيها من أزمنة متداخلة ومتنامية، وتأمُّلات وجودية، على هوى السرد الروائي”.

ويبدو أن تحديد نوع هذه الكتابة كان يشغله، فيتحدَّث عنه في غير مكان من هذا الكتاب، ومن نماذج ذلك، نذكر وصفه لكتابته: “حالة سردية من سيرة . نصٌّ مفتوح…، لذا رأيت استدخال نصوص موائمة أخرى، كتبت في مراحل لاحقة”، ونذكر كذلك تساؤله:” الاَن، ماذا أسمِّي هذه الحالة الكتابية، نصَّاً مفتوحاً، سرداً متداخل الأزمنة، سيرة ذاتية، أو أواني مستطرقة؟”.

يبدو لي أنَّ هذه الكتابة هي شذرات من سيرة ذاتية، تروي ليس وقائع من هذه  السيرة فحسب، وإنما تروي سيرة فضاء العيش: وقائع وذكريات وتأمُّلات وخواطر ومشاعر…، ورؤى ومواقف وحالات، فتكون بذلك سيرة كيانية للذات، تمثل، كما يقول الكاتب، “الاتحاد القلبي العقلي اللغوي الأسلوبي”، شذراتها منتقاة، أو تداعيات، يقول عنها:” وأنا أرمق هذه التداعيات المكتوبة”.

وهذا  يسمح بأن تضاف إليها “نصوص موائمة أخرى”، فتبدو هذه النصوص غير مقحمة، ولا يستطيع القارئ تمييزها من سواها، وبهذا تكون هذه الكتابة السيرية نوعاً جديداً من السيرة، يمكن عدُّه نصَّاً مفتوحاً يتجاوز تصنيفات التجنيس الأدبي المتداولة.

حركة تشكُّل بناء الكتاب/ حالة الكتابة

يصف الكاتب حالة كتابتة هذه النصوص، بأنَّها “حالة الانهيار الثلجي، تتدفَّق خارج أيِّ سياق روائي…”، ويصفها كذلك بأنَّها “حالة من الكتابة توازي انكشاف فجوة غائرة في الكيان، في الزمن، في تأليف اللغة، وقد طَفَت بجموح على السطح”، ويسمِّي هذه الحالة ب” الفوضى الأدبية الخلَّاقة، من دون استدخال رقابة بنيوية لضبطها، ومن دون رغبة في التنظيم، ومن دون أي تفكك، أو اضطراب”.

يفيد  ما يقوله الكاتب أنَّ كتابته هي تدفُّق كتابي يتتابع تلقائياً مثل “الانهيار الثلجي”، ويتمثَّل نصوصاً محكمة البناء، من دون رغبة إرادية في تنظيمها، فهي تُخلق منتظمة، من دون تفكُّك واضطراب.

التجربة الحياتية الأدبية وولادة النوع الأدبي الذي يمثلها

تفيد قراءة هذه النصوص أنَّها غير مفكَّكة، وإنَّما هي محكمة البناء، فهل هذا وليد عفوية الصدور، أي أنَّ التجربة الحياتية الأدبية أملتها كما هي؟ في الإجابة عن هذا السؤال، نسترجع ماذكره الكاتب من أنه أضاف نصوصاً موائمة، مايعني ” استدخال” الكاتب. كما نلاحظ بناء هذا الكتاب المتماسك، المؤلَّف من مقاطع غير مرقَّمة، وغير معنونة، وكلُّ مقطع مستقلٌّ بموضوعه، وينتظم، في الوقت نفسه، في البناء الكلِّي للكتاب، ما يجعل المقاطع جميعها تمثل تلك السيرة الفريدة التي تقدِّم معرفة بالذات وبالاَخر، وترى إلى عالم صاحبها وقضاياه، ما يثير سؤالاً مفاده: هل أملت التجربة الحياتية الأدبية الفريدة هذا النوع من السيرة الجديدة الفريدة؟ وإن تكن الإجابة بنعم، فهذا يفيد أنَّ الحياة التي لا تنفكُّ عن التجدُّد تملي الأنواع الأدبية التي لا تنفكُّ عن التجدد كذلك، لتمثِّل ذلك التجدُّد الحياتي.

تفادي التعيين والتسمية

إن يكن الاعتراف ميزة من مزايا السيرة الذاتية، فإن كاتب هذه السيرة، كما يبدو، كان، كما يقول، يتفادى التعيين، ويراقب اللغة السيرية المتدفِّقة، كما يصفها، فلا يذكر، على سبيل المثال اسم أيِّ شخصية من شخصيات سيرته، فنقرأ، على سبيل المثال: “شقيقتي الكبرى” “خالي” “الأصدقاء الأربعة صاروا ثلاثة”، “صديقي الشهيد”، “صديقي الرسام والمؤرخ والكاتب” و”من الصحافي التاريخي العريق، صاحب المؤسسة، ومن الشاعر الكبير” “والروائي الكبير”. وهذه الشخصيات معروفة لقارئ هذا الكتاب، فلماذا إغفال ذكر أسمائها؟ كما أنه يكتب: “لست مضطرَّاً للإفصاح عن السبب المباشر لهذه العزلة”، و”لا أقصد أن أروي حكايات حميمية من حياتي”، ويكتفي، لدى الكلام على علاقته بالمرأة التي أحبَّها حبَّاً صاعقاً بأنَّه أمضى وإيَّاها خمس سنوات من حياته، وأنَّها هي التي قرَّرت إسدال الستار على علاقتهما، وكذلك لم يذكر اسم أيِّ حبيبة من الحبيبات اللواتي أحبَّهن بإخلاص؛ وذلك لأنه يتجنب إشهار علاقاته الغرامية.

الأنا الشاعر

وإن يكن هذا حال تقديمه معرفة بالآخر، فإنَّه يقدِّم معرفة بالأنا، في سياق متقطِّع زمنياً وسياقياً، ويستطيع القارئ أن ينظمها في سياق زمني، كما يأتي: تابع دراسته الثانوية في طرابلس، والجامعية في كلية التربية في بيروت؛ بدءاً من سنة 1971، حيث تحقَّقت رغبته، في الإقامة خارج كنف البيت العائلي، وذلك بعد انتهاء الدراسة الجامعية، غداة اندلاع الحرب، في العام 1975، وحيث عرف معنى الإقامة في أمكنة مختلطة ديموغرافياً ومجتمعياً وثقافياً، وعمل في التعليم، ثم عمل في وكالة الصحافة الفرنسية، في قبرص، مدة خمس سنوات، وعاد، في العام 1993،  إلى بيروت ليكتب في النهار، ويعمل في ملحقها.

وإن يكن “كائنَ الغرفة”، كما يسمِّي نفسه، المنصرف إلى تأمُّل حياته الداخلية والغوص فيها، فإنه يكتب عن  حبِّه للمنقوشة ولكرة القدم…، وعن تجربته في كلية التربية وحركة الوعي وملحق النهار، فيرى أنه تعرَّف، في كلية التربية، إلى عقل العويط وإلى الحياة حقاً والأدب والشعر خصوصاً، والمرأة والكفاح والخلق وابتكار الاَفاق…، كما تعرَّف إلى حركة الوعي …، وهما، كما يقول، أي الكلية والحركة، “صنوان وجزءان لا يتجزءان من هذا العقل العويط الذي هو أنا”.

ويصف كلية التربية بأنَّها حالة ومناخ وفضاء، وبأنَّها مدينة لبنان الحقيقية وجمهوريته ودولته وشعبه…، وجاءت الحرب، فقضت على المكان والكلية والحركة، وخربت ذلك المجتمع ووأدت ذلك الشعب والحالة والفضاء، فكان ما كان.

وإذ كان الأمر هكذا، فإنه يقرِّر أنَّه لا بدَّ من أن يأتي باحث متمكِّن من تأريخ تلك التجربة بحذافيرها، وهو لا يفعل ذلك، لأن ما يكتبه بوح سيري، يقدِّم معرفة بشخصيته، فنعرف، إضافة إلى ماسبق، أنَّه لم يتخلَّ عن صديق صادق له، وأن العقل يسكنه ،علماً أنَّه شخص عاطفي للغاية، ينظر إلى العالم الخارجي، ويبصق، وفي غرفته يختصر العالم الحقيقي، ولا يكون في هذا العالم راكداً، وإنما يكون، كما يقول:” ففي كل يوم أنا اَخر، وأنا نفسي في اَنٍ واحد”، ولا يعرف إلا أن يكون شاعراً، صاحب أسلوب، ولا يعرف أن يعيش خارج هذه اللغة الشعرية، وما كان ليكون، كما يقول، لولا هذه اللغة.

وفي ملحق النهار، كان اعتراضياً وتغييرياً، لا يمينياً ولا يسارياً، وفق التقسيمات الجاهزة، ولا حزبياً على الدوام.

الانتقال من الغرفة، والاكتفاء بها في كتاب/ الشاعر الملك

حرَّر الكاتب غالبية نصوص هذا الكتاب في صيف العام 2016 وخريفه؛ وحرص على إنجازه  في هذا الوقت، لأنَّه قرَّر أن ينتقل للإقامة في شقة في أشرفية بيروت، وهو إذ ينجز كتاب الغرفة، يتأهب للخروج النهائي من كينونتها المكانية مكتفياً بها في كتاب، وهو في المكانين، كما يكتب، لا مال له، ولا تاج عنده، ولا حاشية لديه، فمن مثله ، فهو الشاعر الملك، الذي يتوِّج نفسه بنفسه، وتكون رعيته الكتب والأحلام والغرفة هنا وهناك، فهو الملك وخادمه في اَن، فمن مثله؟!

كتاب الغرفة ورواية الحمامة

يذكر هذا الكتاب برواية قصيرة عنوانها الحمامة.

المكان الأساسي، في نوفيللا الحمامة، لباتريك سوزكيند، هو غرفة البطل التي يصممها بعناية، ويشتري لها الأثاث تتحول، في النهاية، إلى عالمه الصغير، والمثالي حتى أنه، في النهاية، يجد فيها عشيقته، وبعد ثلاثين سنة، تخرجه منها حمامة، غير أن كاتب كتاب الغرفة يخرج من غرفته من دون أن يبيِّن السبب.

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى