هل الفلسفة تضعنا في دائرة الخطر؟

هل الفلسفة تضعنا في دائرة الخطر؟
سعاد عبد القادر القصير
غريب كيف أنّنا، نحن العرب، لا ننتبه إلى المخاطر التي تحيط بنا إلّا حين نتحدّث عن موضوعين لا ثالث لهما، الغرب والدّين. وتبدأ الكرامة العربيّة بوخز ضمائرنا المغيّبة لعلّها تستعيد وعيها.
تقول بعض الدّراسات، وليست بقليلة في الحقيقة، إنّ الفلسفة الإسلاميّة متأثّرة بالفلسفة اليونانيّة، خصوصًا بعد حركة التّرجمة الواسعة في العصر العبّاسيّ، حيث اعتُبر أرسطو وأفلاطون مرجعيّة في الفكر الفلسفيّ، وما زالا حتى اليوم، باعتبارهما حاولا إيجاد أجوبة حول الوجوديّة، والعلاقة مع الله، والشّريعة، والحكمة، والمنطق… إلى ما هنالك من موضوعات طرحتها الفلسفة في سبيل إيجاد أجوبة تشبع فضول الإنسان وعلاقته بالكون.
سأقدّم لكم عرضًا تاريخيًّا مبسّطًا؛ تعود جذور الرّسالة اليهوديّة إلى القرن الثّالث عشر ق. م.، بعدها عاش أفلاطون بين 347-427 ق.م.، بعده أرسطو عاش بين 322-384 ق. م.، ثم جاءت الرّسالة المسيحيّة في القرن الأوّل ميلاديّ، وبعدها الرّسالة الإسلاميّة والتي اختتم بها الله رسالاته السّماويّة التي تدعو إلى التّوحيد.
المهم في عرضنا هذا، أنّ أفلاطون وأرسطو كانا بعد الرّسالة السّماويّة اليهوديّة، وهما لم يكونا من اليهود وإنّما اتّبعا الثّقافة اليونانيّة التي كانت سائدة في عصرهما، ومع العصور المتتابعة لا شكّ أنّ الثّقافات تتناقل من – إلى. وحيث إنّ الدّراسات ادّعت أنّ الفلسفة الإسلاميّة تأثّرت بالفلسفة اليونانيّة، ألم يكن من الأولى أن تتعمّق هذه الدّراسات حول أثر الفلسفة اليونانيّة باليهوديّة، التي هي رسالة من الله، وأنّ الفلسفة الإسلاميّة إن التقت مع الفكر اليونانيّ فإنّما في في الحقيقة التقت مع ما تأثّرت به، أي اليهوديّة؟
السّؤال الذي حيّرني، أو الفكر الذي استفزّني حقيقة هو ربط رسالة إلهيّة بفكر إنسانيّ وضعيّ، وهذا أمر لا يمكن أن يُقارن، فكيف لنا أن نقول إنّ ما أرسله الله لنا قد وضعه مفكّر بشريّ قبله؟ إلّا إذا كان هذا المفكّر قد تأثّر برسالة إلهيّة سابقة، وهنا لا يمكن ربط كلام الله إلا بكلامه السّابق (جلّ جلاله). وكأنّهم يقولون إنّ القرآن من صنع البشر، وإنّ محمّد (ص) ألّفه وعلّمه للبشر، هذه النّظريّة تتطابق مع فلسفة التّأثر باليونان، وهو ما يسعى إلى إثباته بعض المستشرقين. وسؤالي إلى هؤلاء: هل من المنطق أن يضع رجل (أمّي)، في عصر الجاهليّة، كتابًا يحتوي هذا الكمّ من الحقائق الكونيّة، والعلميّة، والإنسانيّة، والتّاريخيّة؟
الفكر الفلسفيّ اليونانيّ جاء ليفهم الوجود الإنسانيّ، والماورائيّات، والأخلاقيّات، فهم كانوا يعيشون الشّك؛ مَن الخالق؟ ولماذا الإنسان موجود؟ ماذا بعد الموت؟ ما هي الحياة؟ ماذا يعني الكون؟ وكلّها شريعة ودستور أرسل لنا الله أجوبتها على قدر ما نحتاج من المعرفة لنحيا في ظلّ الإيمان والتّوحيد. فكيف نسند اليقين إلى أسئلة سابقة قائمة على الشّك؟ هم إمّا يريدون حقًّا إثبات أنّ كلام الله مؤلّف عن لسان بشريّ، أو أنّهم يهدفون إلى زعزعة الإيمان وزرع الشّك في عقول المؤمنين للتّخلص من القوّة الإيمانيّة.
وكان الأولى أن تكون المقارنة بين الفكر الفلسفي اليونانيّ من حيث البحث عن الحقيقة، وبين المسيحيّة والإسلام اللتان قدّمتا الحقيقة؛ حيث من غير المنطق أن نقول إنّ الفلسفة الإسلاميّة تأثّرت باليونانيّة، وكأنّنا نقول إنّ شريعة الله المنزَلة جاءت متأثّرة بفكر البشر، لا أظنّ بأنّ العارفين بمنطق الدّين قد يقبلون بهذا المنطق المعكوس. فهل يكون هذا الفكر أحد أسباب انهيار الثّقافة الدّينيّة من جيل إلى جيل؟
وهنا يأتي دور الباحثين ليعيدوا بلورة الحقائق، فالفلسفة إن لم تكن قائمة على قاعدة إيمانيّة ستعيدنا إلى الجاهليّة، وأصبح من الضّرورة التّخلي عن الفكر الفلسفيّ القائم على الشّك، والالتزام بفلسفة الحقيقة المطلقة.
لماذا نحن في خطر؟ لأنّنا ما زلنا غير واثقين فيما بين أيدينا أنّه الحق، ليس لضعف إيماننا، وإنّما لتشبّثنا بأنّ كلّ ما هول غير عربيّ هو الصّواب، وكأنّ الدّين أصبح بالنّسبة لنا صوم وصلاة وبعض عبادة، وكأنّنا أقصيناه عن أصول الحياة ودستورها. والمشكلة التي لا تقلّ خطورة هنا، هي تعاملنا مع الطّفل على أنّه محدود المفهوميّة، يكبر قليلًا فنسمّيه مراهقًا لا يفقه شيئًا، يصبح شابًّا فنطلق له العنان ليحيا، ثم نتوقّع منه في الكهولة أن يكون شيخًا. من لا ينهل فلسفته الدّينيّة منذ بداية وعيه، سيغصّ في شيخوخته.
وطالما أنّنا نعيش أزمة ثقة في فلسفتنا الدّينيّة سنعود لا شكّ، إلى شكّ اليونانيّة.



