الكتاب: شاهدٌ على الواقع أم شريكٌ في صناعته؟

الكتاب: شاهدٌ على الواقع أم شريكٌ في صناعته؟
بدر شحادة
باحث وناقد في الشؤون التاريخيّة واللّغويّة
منذ أن خطّ الإنسانُ أولَ أثرٍ على الطين، والكتابةُ تتقدّم بوصفها أحد أعمق إنجازاته الحضارية؛ بها ثبّت العهود، ودوّن المراسلات، وصاغ الشعر، وحاور الوجود، وواجه أسئلته الكبرى عن الخوف والمصير والمعنى. ومع تطوّر الأزمنة، انتقلت الكتابة من الألواح والرقوق إلى الورق، ثم إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت الكتب اليوم متاحة في كل زمان ومكان، دون مشقّة أو عناء. غير أنّ سهولة الوصول لا تُنهي الإشكال، بل تفتحه على سؤالٍ أعمق: كيف وُلدت الكتب؟ ولماذا كُتبت؟
هل كان الواقع المعاش هو الذي استدعى الكتابة، فأنجبت الأحداث كتبها؟ أم أنّ الكتب، بما تحمله من أفكار ورؤى، سبقت الواقع وأسهمت في تشكيل وعي الإنسان وصناعة مساراته؟ سؤالٌ قديمٌ متجدّد، يفرض نفسه كلما أُعيد النظر في وظيفة الكتاب ودوره في التاريخ الإنساني.
عند التأمل في نشأة المؤلفات الأولى، يظهر بوضوح أنّ الواقع كان مادتها الأولى. فكتب التاريخ، والقوانين، والشرائع، وحتى أدبيات الحرب، لم تُكتب في فراغ… فكتاب “فنّ الحرب” لصن تزو، على سبيل المثال، لم يكن نتاج خيالٍ مجرّد، بل خلاصة تجربة عسكرية ومعرفة دقيقة بطبيعة الأرض، وحركة الرياح، ونفسيات القادة، وتقلبات الصراع. هنا تتجلى الكتابة بوصفها قراءة واعية للواقع، وتحويلاً للتجربة إلى معرفة قابلة للنقل والتداول.
أما الأساطير، التي طالما وُصفت بالخيال، فهي الأخرى لم تنشأ بمعزل عن الواقع. فالخيال الإنساني لا يولد من العدم، بل يستمد مادته من التجربة الحسية والخوف من المجهول، ومن محاولة تفسير الظواهر التي عجز العقل البدائي عن إدراكها. الوحوش، والآلهة الغاضبة، والكائنات الخارقة، ليست إلا صورًا رمزية صاغها الإنسان ليمنح الخوف شكلاً، ويحوّل القلق إلى حكاية قابلة للرواية. وهنا يصبح السؤال معكوسًا: أهو الخوف الذي أنجب الأشكال المخيفة؟ أم أنّ تلك الأشكال هي انعكاس لواقع نفسي واجتماعي عاشه الإنسان؟
غير أنّ الكتاب لا يقف عند حدود المحاكاة. فبين دفتيه، لا يُعاد إنتاج الواقع فقط، بل يُعاد تفسيره وتحليله وإعادة تركيبه. ومع اختلاف نضج الوعي الإنساني، تختلف القراءات، وتتباين الاستنتاجات، ويتحوّل النص الواحد إلى مساحات متعددة من الفهم. من هنا، لا تكون قيمة الكتاب في سرده للأحداث، بل في قدرته على تفكيكها، وربطها بسياقاتها، وتقديم رؤية تتجاوز اللحظة الآنية.
وفي أحيان كثيرة، تتقدّم الكتب على واقعها، فتطرح أفكارًا لم تكن سائدة في الوعي الجمعي، لكنها تمهّد لظهورها لاحقًا. هكذا، لا يعود الكتاب تابعًا للواقع فحسب، بل شريكًا في صناعته، ومختبرًا للأفكار، ومنصةً لاستشراف الممكن.
إنّ أي كتابٍ لا يلتمس مادته من واقع الناس، ولا ينفذ إلى جوهر تجاربهم، يفقد مبرّر وجوده المعرفي. فالمعرفة المنفصلة عن الواقع تظل معلّقة، بلا أثر ولا وظيفة. أمّا حين يتفاعل النص مع التجربة الإنسانية، فإنه يتحوّل إلى وثيقة فكرية، تحفظ الذاكرة، وتوسّع أفق الفهم، وتمنح القارئ أدواتٍ جديدة للنظر إلى العالم.


