صداقة على دروب النهضة: مي وأمين

صداقة على دروب النهضة: مي وأمين
أ. جـوزف بشـاره
الرئيس السابق لمجلس الكتّاب العدل في لبنان
تبدو الصداقة الأدبية، في ظاهرها، علاقات بين كتّاب يتبادلون الآراء والنصوص. لكن في عمقها، هي شكل آخر من أشكال المعرفة، ومساحة للتأثير المتبادل والتكوين الروحي. فبين رسائلهم، ومعاتباتهم أحياناً، ودفاعهم عن بعضهم البعض، يتأسس جزء من تاريخ الأدب.
الصداقة هنا ليست عاطفة فقط، بل تبادل رؤى: كلّ واحد يرى ما لا يراه الآخر في نفسه.
وكثيراً ما تبدأ الصداقة الأدبية بإعجاب، أو باختلاف في الرؤية. فالشاعر لا يبحث عن مرآة تُعيد صورته كما هي، بل عن اختلافٍ يوقظه.
هكذا نشأت صداقات تاريخية: بين نيتشه ولو سالوميه، حيث كان الإعجاب الفكري يحمل حرارة عشق غير مُعلن، لكنه خلّف أعظم رسائل القرن التاسع عشر.
الصداقة التي جمعت غوستاف فلوبيير وجورج ساند، والتي بدأت على شيء من التنافر والاختلاف في الطباع والرؤى، لكنها ما لبثت أن تحوّلت إلى رابطة فكرية وإنسانية عميقة.
الصداقة بين فولتير وعالمة الرياضيات والفيزياء ماركيزة دو شاتليه التي قال عنها: “هي التي جعلتني أفكر بشكل واضح”.
ومن هنا نفهم الصداقة المستدامة بين مّي زيادة وأمين الريحاني:
هي صاحبة اللغة الرقيقة غير الصدامية، التي تجعل دعوتها الإصلاحية أقرب إلى الوعي الداخلي الهادئ لا التمرد الصارخ؛ وهو التفكيكي الثوري ذو القلم الساخر، الذي اشتبك مع السلطات الزمنية والدينية إلى حدّ إيفاع الحرم الديني عليه وإصدار قرار نفيه من البلاد.
بين هذا الهدوء العميق وذلك الاحتجاج الجريء وُلدت علاقة فكرية استثنائية، تجمع الروح المتأملة بـ العقل التمرد، وتؤسس لنموذج نادر في الصداقة الثقافية المستمرّة رغم اختلاف الأسلوب والمسار.
ومعظم الصداقات الأدبية تشكلت عبر الرسائل، فهي الوجه الخفي للصداقات؛ حيث ينزع الكاتب أقنعته، ويصوغ علاقة حميمة بأحرف من أدب وفكر.
وهذا ما نلمسه في مراسلات مي زيادة وأمين الريحاني، حيث تتحوّل الرسالة إلى مساحة حرّة يتجلّى فيها الإنسان خلف الكاتب، وتظهر الثقة المتبادلة بعيداً عن أضواء الصالونات وحضور الجمهور.
هذه الرسائل تكشف حقيقة: الكاتب بحاجة إلى قارئ واحد على الأقل يفهمه قبل أن يفهمه العالم. وكما قال الريحاني: “العقل صديق العقل”.
يهدف هذا المقال لإلقاء الضوء على الصداقة الأدبية التي جمعت مي زيادة وأمين الريحاني بوصفهما نموذجاً لـ مثاقفة معرفية خلاقّة؛ لا تتوقّف عند تبادل الرسائل والآراء، بل تمتد إلى تقاطع المؤثرات الفكرية التي شكّلت رؤيتهما للإنسان والكتابة. سنعرض ظروف نشأتهما التاريخية، وأبرز التيارات الفلسفية التي أثّرت فيهما، مثل غوته وبرغسون وإمرسون وثورو ونيتشه، ثم نتناول السمات المشتركة في شخصيتيهما -مثل روح المرح، والسفر، والنزوع إلى الكتابة التأملية- قبل أن نعرض محطات اللقاء الأربع التي أسّست لثقافة حوارية بين وادي الفريكة وصالون الازبكية. في الختام نسعى إلى إبراز كيف يمكن لهذه الصداقة أن تقدّم قراءة جديدة لمفهوم النهضة يمكن أن تجيب عن تحدّيات مجتمعاتنا الراهنة.
أولاً: ظروف نشأتهما التاريخية والاجتماعية
شهد مطلع القرن العشرين العربي تحوّلات جذرية في الفكر واللغة والأدوار الثقافية، حيث أخذ الجيل النهضوي الجديد يبحث عن سبل تجديد العقل العربي وتحرير الكتابة من القوالب البلاغية والاجتماعية الجامدة. وفي هذا السياق برز اسمي: أمين الريحاني ومي زيادة. وقد تميّز كلٌّ منهما بخلفية ثقافية مختلفة -الريحاني ابنُ بيئة الجبل اللبناني والمهجر الأميركي، ومّي ابنةُ الهوية المتعددة والثقافة البوليغلوت- لكنّهما التقيا في رؤيتهما لإمكان قيام فكر عربي معاصر يقوم على الانفتاح، النقد، والحوار مع الذات والآخر.
ولد الريحاني في قرية الفريكة بلبنان في مرحلة تشهد تراجعاً للدولة العثمانية وصعوداً للوعي الوطني والثقافي. هاجر في سن الثالثة عشرة إلى نيويورك، حيث تعرّف إلى الثقافة الأميركية الحديثة، واطّلع على الأدب الإنكليزي والفلسفة الغربية والروحانيات، قبل أن يعود إلى لبنان محمّلاً بأفكار الإصلاح السياسي والاجتماعي. كشفت تجربة المهجر المبكرة عن شخصية ترى في السفر مدرسة للمعرفة، وفي الاختلاف الثقافي فرصة للتنوير.
وُلدت مي في الناصرة في ظل بيئة متعددة الهويات والثقافات، جمعت بين التقاليد الشرقية والتأثيرات الأوروبية. انتقلت إلى القاهرة سنة 1907، حيث وجدت في مجتمع الصحافة والصالونات الأدبية فضاءً رحباً للتعبير والحوار. أسهمت فترة النهضة المصرية -خصوصاً صحف المحروسة والمقتطف والأهرام وصالون الثلاثاء- في صقل شخصيتها الأدبية والنقدية. لقد نشأت مي في زمن شهد ولادة فكرة المرأة المثقفة ودورها في الحياة العامة.
القاسم المشترك:
تُظهر الظروف التاريخية لكلٍّ منهما مساراً متشابهاً: الانتقال من هامش اجتماعي إلى مركز ثقافي. الريحاني من قرية جبلية إلى أميركا ثم العواصم العربية، ومي من الناصرة إلى عينطورة ثم القاهرة. كلاهما رافق ولادة الصحافة العربية الحديثة، وتمدّد الإرساليات التعليمية، وصعود الأفكار الإصلاحية. كانت هذه العوامل تمهّد لظهور رابط فكري طبيعي بينهما.
ثانياً: التاثيرات الفكرية عليهما
كان لكلٍّ من مي زيادة وأمين الريحاني جسور فكرية تمتد إلى خارج الشرق العربي، وخصوصاً نحو أوروبا وأميركا، حيث تشكّلت في الأفقين حساسية فكرية مشتركة، فقد نهلت مي والريحاني من رومانسية غوته التي رأت في الطبيعة مرآة للروح وفي الأدب طريقاً لتحرير الذات، ومن مفهومه عن الأدب العالمي (Weltliteratur) حيث جسّدا التطبيق الحيّ للأدب العابر للحدود، كما نهلا من فلسفة برغسون التي أعادت الاعتبار لـ”الديمومة” ولحدس العقل الباطن، ما جعل كليهما يؤمن بأن المعرفة ليست معادلات عقلية فقط، بل تجربة داخلية حيّة. أما إمرسون وثورو فكانا بوّابة الريحاني الكبرى إلى الروحانية الأميركية في مفهوم الـTranscendentalism، وإلى فكرة الطبيعة الحيّة كملاذ للتجديد الأخلاقي (وقد حرص على زيارة منزل اميرسون والكوخ الذي إعتزل فيه ثورو)، وهذه الروح عينها كانت تحضر في كتابات مي حين جعلت من النافذة والحديقة والكتاب مساحات للتأمّل وتحرير المرأة من سجن العادات. ويبقى نيتشه الخيط الساخن: في نقده للأخلاق الساكنة وللقيم المُسلّم بها، وجد الريحاني سلاحاً للتمرّد على السلطة الدينية والاجتماعية، ووجدت مي فيه أداة لتفكيك الصور النمطية عن المرأة والكاتب والإنسان الحرّ (وكان طيف نيتشه حاضراً في محاضرتها الآخيرة في القاهرة عن تجاوز الصعوبات). وهكذا تَشَكَّل في فكر الاثنين صوتٌ نهضويٌّ يجمع رهافة الحدس البرغسوني، وأفق غوته الإنساني، وروح إمرسون وثورو الطبيعية، وجرأة نيتشه في مساءلة اليقين، من دون أن ننسى تراكمات التراث الفكري العربي الممتد من أبي العلاء المعري إلى بطرس البستاني، ليؤسّسا معاً ما يشبه نهضة داخل النهضة في الأدب العربي الحديث.
ثالثا: لقاؤهما في أربع محطات
في تاريخ النهضة العربية أسماء كثيرة اجتمعت في الكتب ثم افترقت في الحياة، غير أنّ العلاقة بين مي زيادة وأمين الريحاني كانت من النوع النادر الذي ينساب عبر السنوات كخيطٍ من ضوء، يربط بين البحر والجبل، بين الرسالة والصداقة، وبين المرافئ البعيدة وصخرة واحدة في وادي الفريكة. ليست هذه علاقة “تعارف أدبي”، بل سرد نهضوي تشكّل في أربع محطات واضحة، يرافقها مرح ذكي، وترحال فكري وجغرافي جعل من الكلمة مغامرة مستمرة.
المحطة الأولى – وادي الفريكة: ميلاد اللغة المشتركة
بدأ كل شيء مع صدور كتاب الريحاني «الريحانيات» الذي وقعت مّي في سحره قبل أن تقع على صاحبه. أيقظ الكتاب فيها الأبعاد الرومنطيقية، خصوصاً وصفه لوادي الفريكة المهيب، ذلك الوادي الذي أحبه وتغنى بمحاسنه راسماً منه الصخور والاشجار مستحضراً منه المياه المتدفقة والرياح العاصفة والشمس المشرقة والكوكب المتلألئ. كانت مي في تلك الفترة تُحيي في ضهور الشوير صالوناً فكرياً تحت اسم “الكوخ الأخضر”، في حين كان الريحاني يدعو الأدباء إلى جلسات على سطح منزله في الفريكة تحت خيمة مصرية كبيرة مزخرفة النقوش من نتاج مكفوفين مصريين (الصِيوان).
بادرت مي إلى مراسلته وإبداء إعجابها بالكتاب مع طلب رؤيته. استجاب أمين للنداء، فزارته. حيث اصطحبها إلى وادي الفريكة وجلسا معاً على الصخرة المطلة على وادي نهر الكلب، ثم احتميا من المطر في أحد الكهوف ومرّا على منزل إحدى السيدات التي قدّمت لهما فطائر جبلية ما زالت تُذكَر في رسائل مي كسحر بساطة الضيافة واستقبال الجبل.
تلك الزيارة لم تكن تعارفاً عابراً. كانت ولادة لغة مشتركة: لغة الوادي والشجرة وطبيعة لبنان الساحرة.
المحطة الثانية – القاهرة: الاحتفاء والبدايات العمومية
عندما وصل الريحاني إلى مصر قبل جولاته العربية، أقام له أدباء القاهرة احتفالات متتالية تليق برواد النهضة، وكان من بينها احتفال في منزل إلياس زيادة، والد مي، صاحب جريدة “المحروسة” وقد ألقت مي خطاباً من أجمل ما كُتب، قالت فيه:
“ما ذكرتُ الريحاني إلا ذكرتُ كتابه الذي كان جليسي يوم كنت أتلقن اللغة العربية على نفسي… كانت الريحانيات من الكتب التي عرّفتني باتجاه الفكر العربي الحديث في صيغتي الشعر والنار… ويا لجمال روحه في مقاله عن وادي الفريكة.
ومما نتأخر به اليوم ويبعث الأمل فينا أن منا أفراداً يقفون في بلاد المشرق والمغرب عالي الجبهة لا يكذبون وراثتهم الشرقية ويتغلبون على أنانية الجماهير الحيوية قائلين ما قالته بالأمس فينيقيا ومصر والعرب: ها أنذا جئتكم بمواهبي استخدمها بنبا لمصلحة بني قومي ومصلحة بني الإنسان.
مضت عشرة أعوام والريحاني يغترب في الغرب بعيداً عن بلاده، وكلما نشر كتاباً أو مقالة ذكر أصدقاءه في الشرق فبعث إليهم بنفثاته. وكنتُ كلّما قرأتُ منها شيئاً عادت إليّ تلك الذكرى الأولى في وادي الفريكة.”
كانت تلك شهادة ولادة فكرية: كاتبة مصرية– لبنانية تعلن أمام نخبة القاهرة أن رجل الفريكة يمثّل اتجاهاً جديداً في الثقافة العربية في صيغتي الشعر والنثر.
المحطة الثالثة – الواجب الأخلاقي: حملة الإنقاذ
في أيام المحنة النفسية القاسية التي مرّت بها مي، لم يقف الريحاني متفرجاً. في البدء مارس أدب البوح ووضع اللوم على نفسه لتأخره في التدخل ثم كتب مقالات دفاعية داعياً إلى إنقاذ مي وإخراجها من العزلة القسرية التي كانت تتعرض لها، وحوّل الموضوع إلى قضية ثقافية إعلامية. حتى أنه راسل وزراء مصريين للتشكي من تصرفات سفير مصر في حينه، كما اقترح إقامة ندوة في الجامعة الأميركية في بيروت، تكريماً لمي، ولكي تتمكن عبرها من إبراز قدراتها الذهنية واستعادة صورتها أمام الرأي العام بوصفها أيقونة النهضة. تلك المحاضرة التي حضرها نخبة الفكر في لبنان على تعدد مشاربهم: أمين الريحاني، أنطون سعاده، شارل مالك، قسطنطين زريق، فؤاد حبيش، جميل جبر، راجي الراعي… وقد تجلّت مي خلالها حضوراً مشرقاً وفصاحة تستوقف العقول، إذ بدا المشهد كأنه تظاهرة فكرية تضامنية نادرة في تاريخ النهضة الحديثة. وعلى أثرِها شاعت طرفة في الوسط الثقافي تقول: “إذا مي مجنونة فكلنا مجانين”.
لقد تحوّل الوفاء هنا إلى مَنبر، وتحوّلت الصداقة من شعور إلى مسؤولية عامة.
المحطة الرابعة – الفريكة مجدداً: نقاهة الروح
بعد العاصفة، استضاف الريحاني مي في الفريكة. استأجر لها منزلاً قريباً من داره. هناك كتبت أنها استعادت ثقتها بالحياة وحُبها للقراءة والكتابة. تمضي النهار في التأمل والكتابة والليل في جلسات المؤانسة تحت الصِّيوان، مع زعماء وأدباء ومفكرين مثل “فارس الخوري، مارون عبود، شارل قرم، يوسف الحويّك…”.
وفي تلك الأمسيات، كانت لعبة البيناكل طقساً ثابتاً؛ مي تربح على الأمين وتخسر أمام شقيقته سعدى، وسط مزاحٍ لا ينتهي حول أساليب سعدى في اللعب.
في الفريكة لم يُداوِها الطبيب، بل شجرة السنديان، ودفء الجبل، وكرم الضحكة ومؤانسة الأصدقاء.
رابعاً: سمات مشتركة: المرح وحب السفر
– المرح على خلفية ثقافية: ضحكة النهضة.
وإلى جانب الهم الثقافي والشغل المعرفي، ثمة صفة مشتركة لا تقل أهمية في علاقة مي وأمين: المرح على خلفية ثقافية. بم يكن ذلك مجرد ضحك للتسلية، بل ذكاء يومض في اللحظة المناسبة، يسخر من الأفكار المتصلبة ويكشف هشاشتها بعبارة واحدة.
وكانت مي سريعة البديهة، تلبس السخرية ثوباً معرفياً. ففي إحدى الجلسات ثارت ثائرة الدكتور شبلي الشميل على بعض مدعي الأدب الجدد ونعتهم بـ “ولاد الكلب”، ردّت مي وهي العالمة بقناعات الشميل الداروينية:
“ولاد كلب أم ولاد القرد… اثبت على رأي يا دكتور كي نعرف أصل النسب الكريم!”
وحين زارها الشاعر إلياس نوفل في محنتها بادرته قائلةً:
“الحياة غير عادلة يا إلياس… أنا في العصفورية وأنت خارجها!”
أما الريحاني فكان صاحب طرفة فلسفية تصلح الوجوه المتجهمة. يقول عن النقاد الذين يحكمون على الكتب بلا قراءة:
“هناك ناقد جديد وُلد في الشرق اسمه (سمعت إنّو). لو قرأ كتاباً فعلاً لانقلبت الدنيا!”
وفي لعب البيناكل كان يقول لتبرير خسارته: أنا لا أخسر… أنا أترك للناس فرصة ليفرحوا.
– في حب السفر: سندبادية مي في البحر المتوسط وترحال أمين في الأوطان والمهاجر:
ثم بعد آخر يجمع بينهما، يتمثل في روح الترحال والسندبادية الثقافية. لم يكونا كاتبة وكاتباً يحكمان على العالم من وراء المكاتب، بل كانا يسافران بحثاً عن المعنى، كان الفكر لا يكتمل إلا إذا عبر حدوداً مائية وجغرافية.
كانت مي من القلائل في جيلها اللواتي اختبرن السفر البحري كطقس ثقافي. فقد عبرت بيروت، الإسكندرية، بورسعيد، مرسيليا، نابولي، جنوى، مالطا، قبرص، تونس وكريت. كانت البحر بالنسبة إليها صالوناً متنقلاً. تقرأ على سطح السفينة، وتدوّن ملاحظات عن “مرافئ الأفكار”، كأنّ كل ميناء فصل جديد في كتاب.
أما الريحاني فكان رحّالة البرّ: من الفريكة إلى أميركا الشمالية وكوبا والكارايبي ثم مصر والحجاز واليمن والعراق والهند. يجلس مع القبائل والملوك والشعراء والتجار. الطريق بالنسبة إليه فصل سياسي– اجتماعي حي. في رحلاته العربية كتب ملوك العرب، وقلب العراق وصولاً إلى قلب لبنان… كان يرى نفسه سفير الأفكار لا مبعوث السياسات.
مي تُبحر في المتوسط.
أمين يسافر إلى الصحراء.
مي تُسائل الذات.
أمين يُسائل العالم.
لكنّ النتيجة واحدة: المعرفة ليست مكاناً، بل حركة.
خاتمة – صداقة عند حدود النهضة
هذه صداقة لم تُكتب بالفصل الأول فقط، بل بالفصول المتحرّكة: كتاب في الوادي، خطاب في القاهرة، حملة في الصحافة، دعابة في جلسة ليلية، وباخرة تمخر البحر مقابل طريق يشقّ الصحراء.
هذه الصداقة أدبية تعبّر عن مشروع نهضة فكرية متكاملة تجمع بين العقل النقدي والروحانية الكونية، تؤمن بحوار الحضارات (شرق– غرب)، تصالح بين الهوية والانفتاح، ترفض ثنائية الانغلاق- الذوابان، تسائل التراث من دون اغتراب وتستلهم الأفكار العالمية من دون استلاب، وتدعو إلى إصلاح اجتماعي وسياسي، يتجاوز التعصب والطائفية والاستبداد.
إنها فلسفة تنويرية، مشرقية، وسطية، مبكرة ورؤيتها ما زالت راهنة في مواجهة أزمات الهوية والأصوليات وأحادية الخطاب في العالم العربي.
المراجع:
قصتي مع مي – أمين الريحاني
ظلمات واشعة – مي زيادة
مأساة النبوغ – سلمى حفار الكزبري
مي زيادة نصوص خارج المجموعة – انطوان القوال
أمين الريحاني -مختارات ودراسات – الدكتور ميشال جحا
مي زيادة شغف الكتابة – دكتورة كارمن بستاني
محاور في فلسفة أمين الريحاني – جامعة سيدة اللويزة
