المجلةشخصية العدد

من الإرث إلى الحجر: المسار القانوني لمحنة مي زياده

من الإرث إلى الحجر

المسار القانوني لمحنة مي زياده

أ. جـوزف بشـاره

الرئيس السابق لمجلس الكتّاب العدل في لبنان

 

غالباً ما تُقرأ مأساة مي زياده بوصفها قصة انهيار نفسي أو مؤامرة عائلية.

غير أن هذه القراءة، على أهميتها، تظلّ قاصرة ما لم تُستكمل بقراءة قانونية تُظهر كيف التقت قواعد الإرث مع نظام الحجر لتُنتج واحدة من أكثر حالات نزع الأهلية إيلاماً في تاريخ النهضة العربية.

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الإطار القانوني الذي خضعت له مي زيادة، وبيان كيف أدى الالتباس بين الانتماء الديني والتطبيق القضائي إلى إضعاف مركزها القانوني، وجعلها عرضة للاستغلال.

في الوقائع:

مي زيادة، لبنانية الأصل من بلدة شحتول الكسروانية، وُلدت في الناصرة وعاشت القسم الأكبر من حياتها في مصر. هي الابنة الوحيدة لوالديها، وتحمل الجنسيتين اللبنانية والمصرية، وتتبع الديانة المسيحية على المذهب الماروني. كان والدها، إلياس زيادة، يملك أملاكاً موزَّعة بين لبنان ومصر، ولاحقاً رخصة جريدة “المحروسة” المصرية ومطبعتها، إضافة إلى مكتبة ضخمة وحسابات مصرفية…

في مطلع شبابها، تمّت خطبة مي زيادة لأحد أقاربها ويدعى نعوم زياده، ويُستفاد من الوقائع أن هذه الخطوبة كانت، في جانب منها، ترتيباً عائلياً يهدف إلى إبقاء الملكيات في شحتول ضمن إطار العائلة الواحدة. غير أن الخطوبة فشلت لاحقاً، بعدما تبيّن لمي أن المراسلات التي كانت تتلقاها من خطيبها لم تكن من كتابته. وقد خلّف فسخ الخطوبة أثراً نفسياً وعائلياً بالغاً، خصوصاً في مجتمع ذلك الزمن الذي لم يكن يتقبّل بسهولة مبادرة المرأة إلى فسخ الخطوبة، ما أدى إلى جرح عائلي لم يندمل مع مرور الزمن.

ومن تداعيات هذه القطيعة العائلية، تعرّض والدها إلياس زيادة لقيود فعلية على ممارسة حقوقه العقارية، إذ امتنع الشركاء في ملكية العقارات عن منحه الإذن بتشييد منزل في بلدة شحتول.

عقب وفاة إلياس زيادة، بدأت مي زيادة تواجه سلسلة من الإشكاليات ذات الطابع القانوني والوراثي. فقد حُرمت، بموجب القوانين السائدة آنذاك، من جزء أساسي من حقوقها الإرثية، ولا سيما من نصف الميراث، كما تعرّضت لمضايقات من بعض الأقارب الورثة. وفي موازاة ذلك، لجأ أقارب من غير الورثة إلى خطة مغايرة، تمثلت في انتزاع وكالة عامة مطلقة منها، بذريعة إدارة شؤونها المالية وحماية مصالحها.

وتفاقمت الأزمة حين جرى استغلال حالة ضعفها النفسي، فتمّ إدخالها إلى مستشفى للأمراض العقلية من دون علم السلطات العامة المختصة، ومن دون التقدّم بأي دعوى حجر وفقاً للأصول القانونية، وذلك بهدف الابتعاد عن الرقابة القضائية وضمان عدم تمكين مي من إلغاء الوكالة الممنوحة. وقد تكشّفت حقيقة هذه الممارسات من خلال المقاومة الشرسة التي أبداها المستفيدون من الوكالة ضد أي محاولة لإخراج مي من أسرها القسري.

لاحقاً، وبعد مرور سنتين على بدء محنتها، وبعد نجاح الحملة الإعلامية التي قادها أصدقاء مي في إخراجها من المستشفى، عمد أقاربها إلى تقديم دعاوى حجر بحقها في كلٍّ من لبنان ومصر، في محاولة أخيرة لإضفاء غطاء قانوني على ما سبق من إجراءات تعسفية. غير أن هذه الدعاوى انتهت بفشل ذريع، إذ صدر في لبنان ومصر أحكام قضائية لصالح مي زيادة، أكّدت أهليتها القانونية وأسقطت دعاوى الحجر، مُنصفةً إياها بعد معركة قضائية طويلة.

أولاً: الإطار العام للأحوال الشخصية في مصر قبل 1943

حتى صدور قانون المواريث رقم 77 لسنة 1943، لم يكن في مصر قانون مدني موحّد للإرث.

وكانت الأحكام تُستمد من:

الشريعة الإسلامية في المحاكم الشرعية، أو من نظم الطوائف الدينية لغير المسلمين، متى وُجدت وتوافرت لها شروط التطبيق.

وقد استقر القضاء، منذ العهد العثماني، على اعتماد المذهب الحنفي بوصفه المرجعية الرسمية في مسائل الأحوال الشخصية، بما فيها الإرث، وذلك عند غياب نصّ تشريعي خاص أو قضاء طائفي مختص. ومصر كانت شافعية في الفقه والتعليم ولكنها حنفية في القضاء والتشريع.

ثانياً: وضع غير المسلمين في نظام الأحوال الشخصية

نظرياً، كان غير المسلمين في مصر يخضعون في مسائل الزواج والطلاق والإرث لقوانين طوائفهم. غير أن هذا المبدأ كان مشروطاً بثلاثة عناصر:

  1. وجود قانون طائفي مكتوب ومعترف به،
  2. وجود جهة قضائية مختصة بتطبيقه،
  3. وحدة الطائفة بين أطراف النزاع.

عند تخلف أي من هذه الشروط، كانت المحاكم تلجأ إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وفق المذهب الحنفي، باعتباره القانون العام الاحتياطي.

ثالثاً: المسيحيون في مصر وتحديات الإرث

رغم وجود مجالس محلّية لبعض الطوائف، ولا سيما القبطية الأرثوذكسية، فإن قوانين الإرث لم تكن دائماً واضحة أو مطبّقة بثبات. أما الطوائف المسيحية الأخرى، ومنها الكاثوليك والموارنة (ومنها مي)، فكان وضعها أضعف من حيث التقنين والاختصاص القضائي .وقد أدى ذلك إلى إخضاع عدد كبير من المسيحيين، عملياً، لأحكام الإرث الحنفي، خاصة في الحالات التي تتعلق: بالبنت الوحيدة، وبذوي الأرحام، وبأقارب من درجات بعيدة.

رابعاً: مي زيادة كنموذج للإشكالية القانونية

تنطبق هذه الإشكالية بوضوح على حالة مي زياده لجهة تركة والدها الياس زيادة. فهي:

مسيحية الديانة – مارونية المذهب، غير متزوجة، بلا أولاد، وتقيم في مصر عند وفاة والديها.

في ظل غياب تطبيق فعلي لقانون طائفي واضح لإرثها، خضعت مي زياده عملياً لقواعد الإرث الحنفي. ووفق هذه القواعد، حيث ترث البنت الوحيدة نصف التركة عند عدم وجود فرع وارث ذكر ويذهب المتبقي من التركة إلى العصبة من جهة الأب.

خامساً: الإرث في لبنان

بالنسبة للمسيحيين في لبنان، كان يطبّق عليهم الشرع الإسلاميّ وفق المذهب الحنفي وذلك حى العام 1959 حين صدَرَ قانون الإرث لغير المحمدين، ونتيجة لذلك واجهت مي الإشكالية ذاتها لجهة تقاسم إرث والدها مع أقارب لم تكن على صلة فعلية بهم.

سادساً: النتائج القانونية والإنسانية

أدى هذا الوضع إلى:

تقليص الحصة الإرثية لـ “مي زياده” إلى النصف بحيث يَرِث أولاد عمِّها الذكور النصف الآخر، وقد سارع رهط من هؤلاء لإحاطتها بمظاهر الصداقة ومطالبتها بحصصهم في العقارات والحسابات المصرفية والمفروشات ومكتبة العائلة النفيسة، وقد وصل بهم الأمر إلى إحضار مساعِدة منزلية جيء بها إلى بيت مي لمراقبتها ليظهر بعد ذلك أنها زوجة أحد ابني عمِّها من دون عِلم مي بذلك، وهي لا تعرف زَوجَتَيهِما…، كل هذه الممارسات دفعتها للاستنجاد بأحد أقاربها من غير الورثة (شقيق خطيبها السابق) لتواجه إشكالاً آخر حيث سارع هذا الآخير إلى إغراقها بالكلام المعسول وينجح في إنتزاع وكالة عامة مطلقة منها للتصرّف بأموالها وسَلب حُرّيَتِها لاحقاً… والمفارقة كانت أنّ من ادّعى فقدان مي لأهليتها تمسك باستخدام وكالة صادرة عنها والتصرف بأموالها بموجبها في تناقض منطقي وقانوني واضح… ألم يكن من المتعيّن اعتبار الوكالة باطلة طالما أن الوكيل نفسه يزعم أن الموكلة غير متمتعة بالأهلية القانونية؟!.

سابعاً: في دعاوى الحجر

يجدر التوقف أيضاً عند مسألة دعاوى الحجر التي أُقيمت بحق مي زيادة، لما تنطوي عليه من مفارقة قانونية بالغة الدلالة. فالأقارب الذين سعوا إلى السيطرة على شؤونها امتنعوا، في المرحلة الأولى، عن سلوك طريق دعاوى الحجر، خلافاً لما قد يُتصوَّر، ذلك أن هذه الدعاوى تضع المدّعين والمدّعى عليها معاً تحت رقابة القضاء، وتستوجب إشرافاً قضائياً مباشراً وإثباتات طبية متكررة، بما يحول دون الاستئثار المطلق بإدارة شؤون الشخص المحجور عليه.

ولم يُلجأ إلى رفع دعاوى الحجر إلا في مرحلة لاحقة، وتحديداً بعد نجاح مي زيادة في الخروج من المستشفى، ما حوّل الحجر إلى ورقة أخيرة استُخدمت بغية إبقائها مقيّدة الأهلية ومسلوبة الحرية، ومَنعها من كشف الأفعال التي مورست بحقها خلال فترة احتجازها القسري.

وفي هذا السياق، يُسجَّل للقضاء اللبناني مواقف وأحكام مشرّفة شكّلت محطة مضيئة في هذه القضية. فقد بادر المدعي العام آنذاك، القاضي وجيه الخوري بمجرد إطلاعه على قضية مي، إلى إتخاذ قرار جريء بنقل مي زيادة فوراً من مستشفى ربيز إلى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، لتمضية فترة نقاهة تمهيداً لخروجها، وذلك رغم الضغوط الشديدة التي مورست من جهات سياسية نافذة، ومن القنصل المصري في حينه صبري منصور. وقد تُوّج هذا المسار بردّ المحكمة المختصة دعوى الحجر المقامة بحقها، في قرار قضائي بارز، سُجّل خلاله عرض قانوني وتاريخي لافت في مطالعة النائب العام القاضي راجي الراعي، دفاعاً عن أهلية مي زياده وحقوقها.

في المقابل، كان القضاء المصري قد أصدر في مرحلة سابقة قراراً بالحجر استناداً إلى تقرير طبي جزئي ومفبرك صادر عن طبيب في لبنان لم يلتقِ مي إلا سريعاً، ومن دون أن تمثل مي أمام المحكمة أو تعرض على لجنة طبية مختصة لمعاينة جدّية لوضعها العقلي. غير أن القضاء المصري عاد ليصحّح هذا المسار لاحقاً، ويفسخ الحكم بالحجر، ويورد في حيثيات الحكم وصفاً لـ “مي زياده” بأنها «من أعقل عقلاء العرب»، بما يشكّل ردّ اعتبار قضائي ومعنوي لها بعد معاناة طويلة…

خـاتمة

إن قضية مي زياده لا تختصر في مأساة شخصية، بل تكشف خللاً بنيوياً في منظومة قانونية واجتماعية سمحت، في مرحلة تاريخية معيّنة، بتقاطع قوانين الإرث مع أعراف وممارسات تعسفية. فقد تحوّلت الوكالة من أداة حماية إلى وسيلة هيمنة، واستُخدم الحجر، لا كإجراء استثنائي لحماية فاقد الأهلية، بل كأداة لإقصاء امرأة حرّة الفكر والإرادة. كما أظهر حرمانها من حقوقها الإرثية هشاشة موقع المرأة أمام تشابك القوانين الطائفية وتنازع الاختصاصات. غير أن القضاء، حين استعاد دوره، أعاد الاعتبار لمبدأ الأهلية كأصل، وللحرية الشخصية كقاعدة لا تُمس إلا بضوابط صارمة. وهكذا، لم تنتصر مي زيادة لنفسها فحسب، بل أسهمت، من خلال معركتها القضائية، في ترسيخ وعي قانوني مُبكّر بحقوق المرأة وكرامتها وفي حتمية أن تواكب القوانين والاجتهادات حركة الحياة وتطّور الواقع الاجتماعي. وتبقى قضيتها شاهداً حيّاً على أن العدالة قد تتأخر، لكنها متى حضرت، تُعيد للتاريخ صوته وللحق معناه.

 

المراجع:

1. عبد الرزاق السنهوري  الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء المتعلق بالأهلية والأحوال الشخصية

2 . محمد صبري السعدي الأحوال الشخصية لغير المسلمين في مصر

3 . قصتي مع مي – أمين الريحاني

4 . مي زيادة أو مأساة النبوغ – سلمى الحفّار الكزبري

5 . مي زيادة صحافية  – أحمد أصفهاني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى