المجلةشخصية العدد

بين أمين الريحاني ومي زياده: مشهديات الضياء الموجع

بين أمين الريحاني ومي زياده

مشهديات الضياء الموجع

مسرحية في خمسة فصول

 

الدكتور أمين ألبرت الريحاني

تقديم المسرحية: الأستاذ مكرم غصوب

 

في هذه المسرحية الأدبية الرفيعة للدكتور أمين ألبرت الريحاني تُعاد كتابة واحدة من أصفى علاقات الصداقة الفكرية والروحيّة وأكثرها إلهاماً في تاريخ النهضة المشرقية الحديثة. ليست هي قصة صداقة حقيقية بين مبدعين من بلادنا فحسب، بل لقاء روحين حملتا همّ الإنسان والحرية، وتحلّقتا حول شغف مشترك بالكلمة والنور والكرامة.

إنها مسرحية عن الوفاء الإنساني بقدر ما هي عن العبقرية المعذّبة. عن المشرق حين يتألّم وحين يتوهّج. وعن الضياء الذي يظلّ موجعاً وجميلاً حتى اللحظة الأخيرة. ولعلّ عبارة الريحاني الختامية، “موعدنا بعد ألف عام”، ليس وعداً بالعودة وحسب، بل هو وعد بأن الإبداع في الأدب والصداقة والحياة – إذا صَدَق- قادر على صدّ عادية الزمن، وأن يظل شاهداً على ما هو أسمى من الزمان والمكان.

مسرحية تجمع الوثيقة التاريخية بالخيال الفنّي، وتقدّم للقارئ فسحةً يتأمل فيها بعمق الصداقة النادرة، وجراح المبدعين، وأنوار من عاشوا للروح والفكر وأخلصوا لهما حتى النهاية.

 

الفصل الأول: لقاءات مي المبكرة مع الريحاني

المشهد الأول: مي في وادي الفريكة

(الكتاب، المؤلفات العربية الكاملة، المجلّد 4، ص 4255)

 

أمين:

هبَطَتْ إلينا الآنسة ميّ من ضهور الشوير مع والديها حيث كانوا يصطافون. كانت مي يومئذ فتاة دون العشرين من سنّها على ما أظن، ولا أزال أتصورها في ثوبها الأبيض وقبعتها المزدانة بالزهور، وفي ابتسامها الساحر، وروحها الزاخر بالنور، روح الحماسة والكياسة والطموح

“فتاة شرقية لبنانية العين مصرية اللهجة عربية اللسان والروح. هبطت إلينا من عل، وهي يومئذ تدنو من باب الحباة الأدبية بخطوات ثابتة، وقلب مفعم بالآمال والأحلام تريد دخول البيت لتملأه من النور الذي أحملتها مشعاله يد إلهية… كان قد ظهر الجزءان الأول والثاني من الريحانيات، وفي الأول مقالي في “وادي الفريكة”… وكانت مي قد طالعت الريحانيات، وأعجبت خصوصاً بالمقال المذكور”.

مي:

أحببت أن أهبط الوادي لأستشف مواطن الوحي فيه، فسألت الأستاذ الريحاني أن ينزل معي إلى  آخر بيت في الفريكة. وأطللنا من سطحه على الوادي الذي يجري فيه نهر الكلب، وعلى المغارة التي تتدفق منها المياه.

أمين:

أأدهشكِ هذا المشهد يا مي، وأنت تشاهدينه لأول مرة، كما أدهشني منذ عهد الفتوة يوم شاهدته لأول مرة كذلك؟

مي:

هذا منظر مدهش ساحر، يا أستاذ. أخبرني، أين الصخرة التي أوَيْتَ إلى غار فيها ساعة دهمتك العاصفة؟

أمين:

تعالي اتبعيني، فعلينا أن نمشي في وعر من الطريق إلى منعطف في الوادي، ثم نقف عند تلك الصخور أمامنا.

“وما إن وصلنا حتى جلست مي ولسان حالها يقول: هذا مني جزاء ما أوحيت به إلى الريحاني…”.

المشهد الثاني: مي في الجامعة الأميركية في القاهرة

أمين:

وادي الفُرَيْكَة؛ ذلك الوادي الذي أحببته وتغنّيتُ بمحاسنه راسما منه الصخور والأشجار والمرتفعات والمنحدرات والألوان والأصوات، مُصَوّراً ما أحاط به من الجبال المتعانقة عناقاً أبدياً تحت رعاية الأفق المخيم عليها، مستحضراً منه المياه المتدفقة والرياح العاصفة والشمس المشرقة والكواكب المتلألئة.  

مي:

تشبعت عندي جميع صفحات الكتاب بحياة من وادي الْفُرَيْكَة، وصرْتُ كلما قرأت فصلاً خِلْتُه مكتوباً في ذلك الكهف، أو تحت تلك الشجرة، أو عند ذلك الغدير. وأرى الريحاني سائراً في معاطف الوادي تحت سيول الأمطار هائما بالطبيعة في انفعالها وغضبها، طرباً لتساقط الأوراق، متسائلا عمن فتح تلك الطريق الصغيرة بين الأشواك والأدغال… ثم يقفُ مُتَفَهما معنى السكينة بعد العاصفة. وصرتُ أحسَبُ وادي الفُرَيْكَة هيكلاً يأوي إليه الريحاني ليتأمل ويبحث ويُفكّر، والفكر صلاة الفيلسوف على رأيه، حتى إذا ما كشرالمجتمع عن أنيابه ليؤلمه وينسيه لحظة الجمال والحقيقة والصلاح حتى إذا ما أوجعته الصغائر سأل الوادي تعزيةٌ ودَوزَنَ قيثارته منادياً ربة ذلك الهيكل الطبيعي.  

أمين:

“داويني ربة الوادي داويني، اغسلي جرحي وضمدي كلومي؛ أعيدي إليَّ ما سلبتني الآلام من مجد الحياة الشعرية، وأزيلي عن أجفاني كآبة الأجيال. داويني ربة الوادي داويني، ربة الانشاد انصريني”.

مي:

عندئذ فهمْتُ عظمة التفوق الفردي المتجلي وحده فريداً بأساليب سعادته وشقائه. ومما نفاخر به اليوم ويبعث الأمل فينا أنّ منا أفراداً يقفون في بلاد المشرق والمغرب عالي الجبهة، لا يكذبون وراثتهم الشرقية ويتغلبون على أنانية الجماهير الحيوية قائلين ما قالته بالأمس فينيقيا ومصر والعرب: ها أنذا جئتكم بمواهبي أستخدمها بنُبل لمصلحة بني قومي ومصلحة بني الإنسان.

المشهد الثالث: مي والريحاني في سفح الأهرام

يخطبان بين الجماهير

أمين:

“أنا الشرق/

أنا حجر الزاوية لأول هيكل من هياكل الله/

ولأول عرش من عروش الإنسان/

لذلك تراني محني الظهر/

قويم الرأي، ثابت الجنان/

أنا جسر الشمس…

من أعماق ظلمات الأكوان

إلى الأفلاك الدائمة الأنوار…”

مي:

وفي هذه الربوع التي لا تجرأ الأصداء على اقتحامها بل ترتد على حدودها خاشعة  ارتفعت الأصوات للثناء عليك، وفي هذه الربوع حيث دحر التار جيوشاً وجندل قُوَاداً، حَلَلْتَ عَزِيزاً عِزَّةَ من كانت قوته الوحيدة معرِفَةً وسيفه الوحيدُ قَلَماً.

لقد رأيت من مصر حُسنَ الضيافة وعرفت كيف تشجيها عطور الرياحين، ولكنّك شاعر بلا ريب بما وراء اللطف من تحفز وشجاعة. لقد عرَفنا مصر عذبةً كريمة أعواما طوالا  ثم اهتزت فجأة فبدت ذاتَ هيئةٍ جديدةٍ وجمال رائع، وها هي تتخرج منذ ثلاثة أعوام في مدرسة النخوة والبطولة. وإذا خَفَتَ صوتُ الرجل فيها لحظة، أشارَتِ المرأةُ ولو من وراء الحجاب، إلى شرفات العز  ورفيع المصاعد.

 

الفصل الثاني: المحنة الكبرى

المشهد الأول: في مستشفى ربيز

(ص4250- 4251)

 

أمين:

عندما رأتني مي سارعت إلى تغطية زندها المكشوف وأشاحت بوجهها عنّي… ثم كلَّمْتُ الآنسة مي فاعتذرتُ عما كان من تقصير، ومن أعذاري هو غيابي في أميركا الشمالية ثمانية أشهر. فمالت بوجهها قليلا وهي تنظر إليَّ شرراً، ثم أغمضت عينيها  واستمرّت ساكتة. وفهِمْتُ معنى الختم على شفتيها، ختم الكآبة والغيظ المكظوم.

كلمة واحدة، قولي لي، إذا كنتُ مُزعجك فأسكت. قولي لي إذا كُنتُ غير مرغوب في فأذهب.

سكوت، سكون هائل تتخلله نظرات جامدة قاسية محزنة. ثم خرج من الغرفة قائلاً:

لا، لا أرضى بهذا السكوت. لا أرضى. سأعود.

 

المشهد الثاني: الزيارة الثانية لمي

(ص4251- 4254)

 

أمين: (بعد ثلاثة أيام) عُدْتُ إلى المستشفى، وقُلْت:

أنا لا أتكلم اليوم. لقد قلت ما أريد أن أقوله في الزيارة الأولى. فعليكِ أنتِ أن تتكلمي… تحركت شفتاها ببسمة ناعمة، تلتها كلمات شديدة لاذعة. لقد مر عليها، وهي في نكبتها في لبنان سنة وعشرة أشهر. وهذه مني الزيارة الأولى، نعم، هي عاتبة ناقمة هي حاقدة.

حاولت الاعتذار فحالت الحجة دونه…

مي:

قد كُنت هنا عندما جِيءَ بي من مصر. وقد كنت هنا عندما نُقِلْتُ إكراها إلى العصفورية.وقد كنت هنا أثناء وجودي في ذلك الجحيم. آه يا أستاذ. كم مرةً فكَرْتُ فيك وأنا ناقمة حانقة! أيُصَدِّق الأستاذ الريحاني ما يُصَدِّقُه الناس؟ والله لو صَدَّقَتْ أُمّةٌ بأجمعها ما شيعه الناس بخصوص مي، فيجب ألا يُصَدِّقَ الأستاذ الريحاني، بل يجب عليه أن يجيء بنفسه، ويرى بعينه. هذا ما كنتُ أقوله لنفسي، وهذا هو سبب نقمتي عليك.

أمين:

وكيف رضيت بالذهاب إلى العصفورية؟

مي:

أأنا رضيت؟ إنهم جاؤوا بي إلى هنا، إلى لبنان، خصيصاً لهذا الغرض… وآه يا بيروت؟ كيف احتملت أن أجتاز شوارعك في ذلك الموكب المشين الأليم؟ كيف احتملت الدموع التي سكَبْتُها في تلك السيارة، وانا بين ذلك الطبيب وتلك الممرضة أشعُرُ بوحدة رهيبة في الدنيا وأرى القدر المُرَوّعَ المُعَدَّ لي من دون أن أدري لماذا؟

أمين:

ولم أنت هنا؟ لِمَ لا تنهضين فترتدين ثيابك، وتخرجين من المستشفى؟

مي:

إلى أين أذهب؟ ولا مال لديّ؟ وكيف أخرج من المستشفى والحَجْرُ عليّ؟ أنا مُقَيَّدة يا أستاذ، قيدوني، حجروا مالي، نهبوا بيتي، ورشحوا أنفسهم ليرثوني.

 

المشهد الثالث: في بيت الدكتور زياده

(ص4261)

 

أمين:

إن غرضي في متابعة محنة مي هو محض إنساني، ولا يشمل التحقيق. إنك تُسَر، ولا شك أن تعلم أن مي قد تحسّنتتحسنا يُذكر، وأنها ترغب في الانتقال من المستشفى إلى بيت خاص بها يستأجره لها، وأني وبعض أصدقائها يرون أن من الواجب عليه أن تُحقق رغبتها.

د. زياده:

سأفعل ذلك مسروراً، ولكنني أعتقد أن مرضها عُضال لا يشفى صاحبه.

أمين:  

الذي أعلمه هو أن صديقتنا صافية الذهن، وأنها في تحسن مستمر بشهادة الدكتور ربيز. والذي أتأكده هو أن هذا التحسن يكون أسرع وأثبت إذا استعادت حريتها، وكان لها ما تشاء من الإقامة في بيت خاص بها.

د. زياده:  

لثقتي بك وإكراماً لك سأفعل ما تشاء.

أمين:

خَيرُ البِرِّ عاجله لقد عُنِيت كثيراً بالآنسة مي وضحيت في سبيلها. ونحن الآن نريد أن نقوم مقامك والتفتيش والاهتمام بالبيت وبنفسها.    

د. زیاده

لسنا نحن الوارثين لمي، بل أبناء عمها في مصر. وفي أخبار ثروتها الكتير من المبالغة…

أمين:

لا دخل لي في ثروتها وإرثها، ولا يهمني من القضية سوى صحة مي وحُرِّيَتِها. إِنَّ  مُهِمَّتَنا، أنا وبعض أصدقائها، تنحصر في ما توجبه علينا الصداقة. إنَّها لَمُهمَّةٌ  إنسانية، محض  إنسانية، وهي تنتهي عندما تُعاد إلى مي حُرِّيَتُها.

 

المشهد الرابع: الزيارة الثالثة لمي

(ص4256-4257)

 

أمين:  

هل تسمعين مني يا مي، وأنا أقترح عليك بعض الحلول المجدية؟

مي: 

تفضل يا أستاذ، منذ زمن وأنا أنتظر نصحا مفيداً من فيلسوف الفريكة.

أمين:

مسألة الحجر والقيد سببها الإشاعات المغرضة من أن الكاتبة العبقرية الآنسة مي تعاني من اضطراب نفسي وعقلي، لذا هي بحاجة إلى حجر وقيد صحيين. فهل تعتقدين أن هذين العلاجين يُساعدان في إزالة هذا الاضطراب؟

مي:

لو كان ذلك صحيحاً لما كان من أمر الحجْرِ والقيد أن يزيدا من تدهور حالتي الصحية.

أمين:

إذن علينا بالبحث فوراً عن حل آخر.

مي:

وما هو حلك المقترح؟

أمين:

هو ليس بحل طبي. هو حَلٌّ يُزيل الإشاعات المغرضة ويعيد الثقة إلى قدرة مي الأدبية وطاقتها الفكرية، هو حل يعيد إلى أذهان الناس صورة مي الكاتبة العبقرية، البعيدة كل البعد عن تلك الإشاعات المغرضة.

مي:

وماذا يعني ذلك عملياً؟

أمين:

يعني أن تنصرف مي إلى كتابة محاضرة بموضوع دور الأديب في المجتمع العربي” على أن تلقي هذه المحاضرة في الجامعة الأميركية في بيروت.

مي:

فكرة رائعة، يا أستاذ.

أمين:

أنت تكتبين، وأنا أتكفّل مع إدارة الجامعة الأميركية بإجراء اللازم من أجل تقديم هذه المحاضرة بقلم مي زياده، وفي رحاب الجامعة الأميركية في بيروت.

مي: أنا لا أصدق ماذا أسمع.

أمين:

إذا كنت مقتنعة بهذا الكلام فعليك أن تسمعي وتُصَدِّقي وتنفذي.

مي:

أنت تطلب مني أن أستبدل الدواء الطبي بدواء الكتابة.

أمين:

بكل تأكيد، لأن ذلك سيعيد لك ثقة الناس بك، وثقة الأطباء وثقتك بنفسك.

مي:

وقد أعجبني موضوع المحاضرة الذي تقترحه علي.

أمين:

إذن، وفور انتقالك إلى منزلك في رأس بيروت ستباشرين بكتابة المحاضرة.

مي (باسمة) سأفعل، سأفعل.

أمين:   

وأنا أعدك باستضافة الجامعة الأميركية لك لألقاء المحاضرة، ثم بعد منزلك في بيروت، بتأمين منزل صيفي لك في الفريكة.

 

المشهد الخامس: في المستشفى مع د. ربيز ثانية

(ص 4271- 4276)

 

د. ربيز:

إذا رأيتم يا أستاذ أمين أن تنتقل الآنسة مي إلى منزلها الخاص، فلتنهض من سريرها وترتدي ثيابها وتخرج مع إحدى صديقاتها من المستشفى للنزهة. خذوها بعد ذلك إلى منزلها وانقضى الأمر.

أمين:

أنت جاد في هذا؟

د. ربيز:

كل الجد.

أمين:

لا أحد في المستشفى يمانع؟

د. ربيز:

لا أحد يمانع.

أمين:

اليوم بعد الظهر إذن.

ثم قام د. زياده بزيارة تحقيقية ورأى أن تنقل مي إلى المستشفى الأميركي لفترة وجيزة،  فكان لها الفوز الأول.

وكان لها الفوز الثاني بانتقالها من المستشفى الأميركي إلى بيت خاص بها، وكان الريحاني قد وجه رسالة إلى معالي أحمد لطفي باشاء وزير الدولة في مصر، بتاريخ 15 آذار 1938 بهذا الخصوص، كما وجه رسالة مماثلة إلى معالي الشيخ مصطفى عبد الرازق، وزير الأوقاف في مصر، بتاريخ 25 حزيران 1938.

المشهد السادس: مي تلقي محاضرتها في الجامعة الأميركية في بيروت

مي:                                                                                   

أيها الحفل الكريم، أشكر حضوركم وأشكر الجامعة الأميركية لاستضافتي وإلقاء محاضرتي بينكم هذا المساء. (تصفيق حاد).

أمين:

مخاطباً صديقاً إلى جانبه: سيكون هذا المساء منعطفاً هاماً في مسار مي.

مي:

أيها الكرام، عليكم أن تعلموا أنّ الأديب المظلوم هو عنوان للوطن المظلوم وعنوان للأمة المظلومة. (تصفيق حاد).

أما الأديب الحرّ، الأديب الذي يسهم بأفكاره في تَقَدُّم وطَنِهِ وازدهاره، فهو عنوان للوطن الحر المزدهر، وعنوان للأمة المتمتعة بحريتها ونهضتها ويقظتها المباركة…

(تصفيق حاد) ثم يتقدَّم الجمهور لتهنئة مي بهذا الفوز الميمون.

 

الفصل الثالث: مي في الفريكة مجدداً

مشهد واحد: مي جارة الريحاني في الفريكة

 

أمين:   

وأخيراً تحقق حلمنا يا مي. سيكون صيفاً ممتعاً نقضيه في الفريكة مع أفراد العائلة، مع سعدى وأدال وألبرت وأمين.

ولا يفصل بين منزلينا سوى هذا الممشى الحجري نجتازه ساعة نشاء ذهاباً إلى منزلكِ، ونعود عبره ساعة نشاء إياباً إلى منزلي.

 

مي:

هذا كثير يا أمين فأنا لا أريد أن أثقل عليكم.

أمين:

لا، لا، يا مي. سيكون هذا الصيف صيف راحة واستجمام لنا جميعاً، وكذلك صيف استقبال الأصدقاء، ثم صيف زيارة المصايف اللبنانية ساعة تشائين هذا في النهار، أما في المساء فسهرة في منزلكِ وأخرى في منزلنا، وثالثة لمن يرغب في البقاء عندنا لليوم التالي. سنحمل ذكريات لا تُنسى من هذا الصيف وبرامجه الشيقة.

مي:

أنا لا أصدق أنني سأكون برفقة الأستاذ الريحاني طوال هذا الصيف.

أمين:

وأنا كذلك، فلا أصدق أن رفيقتي هذا الصيف ستكون الصديقة والزميلة والكاتبة الكبيرة مي زياده.

مي:

أهو حلْمٌ أم حقيقة؟

أمين:

ما يفصلنا عن الاثنين معاً هو، في الآن ذاته، صلة الوصل بينهما. هو ممشى حجري، ستعشقينه كما أنا عشقته منذ بنيته من نحوِ عشر سنوات. أنه يصلنا بأحلامنا الفكرية والروحية ساعة نشاء، كما يصلنا بأرجاء الطبيعة بأشكالها وألوانها، وبدروبها وصخورها، ساعة نشاء.

 

الفصل الرابع: رسالة مي تحمل سحر ذلك الصيف

مشهد واحد: مي في منزلها في القاهرة تكتب رسالة إلى أمين

مي: (نسمعها تقول وهي تكتب)

لَدُن وصولك إلى أوّل مرفا شرقي بعد هذا الغياب في أميركا، أرحب بك باسمي وباسم الأدباء الذين يحبونك ويُعجبون بك، وباسم هذا الشرق الفخور بريحانيه العبقري… أتُصَدِّق أني أكتب لك بالفكر منذ ستة أشهر، كل يوم دون أن أخط على القرطاس حرفاً؟…

أمين:

أُصدق، يا مي، أُصَدِّق.

مي:

وهل في وسعي، وأنا في مصر، أن لا أتجرّد الساعة من الشعور بوجودي هنا لأحس أني في قريتكم الخالدة مقيمة، أشهَدُ وداع الشمس على وقع رنين الأجراس. وإني الآن فعلا هناك، أعيش تلك الثواني على مهل، وفي كل ثانية من المتعة الفنية وحرية الحركة ما يملأ عاما بطوله…

إني الآن فعلا هناك أرقب تمثال سيدة لبنان المنتصبة على هاتيك الروابي في حضن الأفق وقد انقلب شعلة إشعاع في انتظار السهرة… حيث تُقبل أنت ومعكم هيئة أركان حربكم من المصطافين يتقدمكم مصباحكم معلنا عن قدومكم الميمون… ذلك المصباح التاريخي يستحيل رمزا لفكر الريحاني، ما إن يتجه إلى ناحية ما إلا ويشق في الفضاء أخدوداً رحباً من النور المنبئ بوقوده المتحرك…

وددت أن أصف لك مبلغ ما أشعر به من الشكر لما شهدته من همتك وأريحيتك في إنقاذي وفي  مؤاساتي وفي تشجيعي إبان تلك المحنة كلها.

دم كما أنت يا أخ الهمم، واسلم على ما أتمناه لك ولجميع من تحبهم من خير وهناء.

 

الفصل الخامس: رسالة أمين تحمل شوقه إلى مي

مشهد واحد: أمين أمام مكتبه في الفريكة يكتب رسالة إلى مي

 

أمين: (نسمعه يقول وهو يكتب)

إن هذه الساعة من اليوم العاشر بعد وصولي إلى الفريكة هي ألذ الساعات لدي، لأنها تدنيني منك، فاتصورك أمامي ساكنة مصغية، وأنتِ في السكوت والإصغاء مثلك في الحديث، فصيحة بليغة.

أتصورك، وأنتِ الشديدة الإحساس اللطيفة الشعور مكتئبة واجمة، لما يتعاكس على جبينك مما يختلج في قلبي، فما شعرْتُ أيامي بفراغ في الفريكة وفي قلب الناس، شعوري يوم عدتُ إليها، ووقفْتُ في الرواق الشرقي لبيتي، أنظر بعين الشوق والاكتئاب، إلى البيت الذي أصبح مشهوراً فإنّ ذلك البيت لا يعرف غير صيف واحد في حياته كلها، هو الصيف الماضي الذي أشرقَتْ فيه شمس مي، ونَوَّرَتْ فيه أزاهير مي، وعادت فيه إلى الأشجار ثمار أدب مي…

كُنا في الصيف الماضي سعيدين بقربك، على همومك التي كُنّا نشاركك بعضها، فكنا نصمت ساعة تسكتين، وفي القلب وَجَمات. وكُنّا نحاول ساعة تسترسلين في القنوط أن نُقَرِّبَ منكِ شمس لبنان بنورها وحرارتها، وأنوار سماء لبنان بما فيها من فيض السكينة والرجاء… وأين الصيف في هذه السنة؟ وأين مي؟ فمتى تعودين إلى لبنان؟… نُحَيِّيكِ تحيّة شذاها من زنابق  الوادي، وحرارتها من شمس هذا الجبل، نحييك يا صديقتنا الغالية ونمتلئ شوقاً إليكِ.

 

المشهد الأخير

صوت من بعيد

في الهزيع الأخير من فجر آخر أيلول من صيف 1940

يروي أحد أصدقاء أمين وجيرانه في الفريكة أنه شوهد من بعيد رجل يهوي فوق دراجة على المنعطف ولوحظت شجرة تُقْصَفُ أمام بيت الشاعر وبَدَتْ فرسٌ تبكي ثم تبرك فوق ذلك المنعطف حتى الرمق الأخير وفي اليوم التالي حَلَّقَ نَسرٌ في الفضاء بعيدا باتجاه صنين، ثم شحتول والشمال وسُمِعَ صوت آت من البعيد وهو يُرَدّد:

مَوعِدُنا بعد ألفِ عام

(بصوت أخف)

بعدَ ألفِ عام

(بصوت أخف)

ألف عام…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى