المجلةشخصية العدد

أ. د. إبراهيم بيضون، المؤرِّخ والأديب

أ. د. إبراهيم بيضون، المؤرِّخ والأديب

أ. د. عبد المجيد زراقط

 

العَلَم العامليُّ

أ. د. إبراهيم بيضون أكاديمي عَلَمٌ، مؤرِّخ منهجيٌّ، أديبٌ شاعرٌ، ناشطٌ ثقافيٌّ اجتماعيٌّ، محدِّثٌ ظريفٌ، هادئٌ، دمثٌ، لطيفٌ، أليفٌ… عامليٌّ، راوية لأمجاد جبل عامل، تتضوَّع من طبيعته، كما كتب السيد هاني فحص عنه، “رائحة الجوريِّ من فستان بنت جبيل، أو رائحة عطرٍ شرقيٍّ…، كأن كلامه عسلك الملكي…، [ويلفتك فيه] إصراره على الإبداع، وعلى تجاوز كتابه بكتابٍ آخر… “، فالعلم، لديه، كما يقول الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يزكو على الإنفاق، والمال تُنقصه النفقة (ابراهيم بيضون، مقام ومقال، ص .220).

 

ما تمليه ذاكرتي من معرفتي به

تعرَّفت إلى أ. د. إبراهيم بيضون في مجلس المؤرِّخ الأديب السيد حسن الأمين؛ في وقتٍ كنت أعدُّ فيه أطروحتي للدكتوراه عن “الشعراء اللبنانيين” نقاداً التي صدرت، بعد مناقشتها، والإضافة إليها، في كتابٍ عنوانه: “الحداثة في النقد الأدبي المعاصر”، وكان قد صدر كتابي” الشعر الأموي بين الفن والسلطان”، عن دار الباحث.

كنت من روَّاد مجلس السيد حسن الأمين العامر بالباحثين وطلَّاب العلم وأحاديث السمر الظريف الراقي. كنت من أولئك الروَّاد منذ أن استدعاني إلى مجلسه، في إثر نشري دراسة عن السيد عبد الحسين شرف الدين في مجلَّة الباحث، وكان له الفضل في توجُّهي لمعرفة التراث العاملي ودراسته، والكتابة عنه.

بادأني إبراهيم بيضون، منذ عرَّفه السيد الأمين بي، بقوله: أنت، في كتابك “الشعر الأموي بين الفن والسلطان” تدخل من باب كتابة تاريخ الأدب ونقده، في العصر الأموي، إلى كتابة تاريخ ذلك العصر السياسي والاجتماعي. ثم ابتسم وأضاف: أهلاً بك بيننا، نحن المؤرِّخين. وضحك.

قلت، وكنت أعرف أنَّه أديبٌ وشاعر، إضافة إلى أنه مؤرِّخ استفدت من مؤلَّفاته في التاريخ الإسلامي والأموي: اقتضى المنهج البنيوي التكويني الذي اعتمدته، في كتابي، وهو في الأصل رسالتي لنيل شهادة الماجستير، أن أضع النص الشعري في السياق التاريخي الذي أنتج فيه، كما اقتضى المنهج، بعد تحليل النص، وتبيُّن خصائصه ودلالاتها، تحديد موقعه ودوره في بنية المجتمع الذي نُشر فيه، وتوظيفه في خدمة السلطان الأموي، أو معارضيه…، ويسعدني، الآن، أن أكون بين مؤرِّخين أديبين، شاعرين كبيرين، وأن أسمع رأي كلٍّ منهما في الإشكالية التي أبحث فيها الآن، وهي إمكانية أن يكون الشاعر الكبير ناقداً كبيراً…

أجابا، وأترك عرض إجابة بيضون إلى موقعها في هذه الدراسة، وقد وجدتها مفصَّلة في ثنايا بعض مؤلَّفاته.

ثم قال السيد حسن الأمين ما مفاده (وذلك لأنِّي أنقل من الذاكرة): إنَّ كتابات إبراهيم بيضون التاريخية تتميَّز بميزتين: أولاهما أنَّه يكتب التاريخ من جديد، ويبدو لي أنَّه خُلق لذلك، وثانيتهما أنَّك، عندما تتابع كتاباته، وإن كانت تنطوي على موضوع جامد فجّ، تجدها موشَّاة بالبلاغة البيانية، فتستيغ القراءة، وتغريك تلك الكتابات بالمزيد.

قال بيضون: البلاغة، في أسلوب كتابة ما يحصِّله الباحث المنهجي من معرفة،  دالَّةٌ، وإن جاءت في الكتابات العلمية. وفي كتابات أسلافنا المؤرِّخين القدماء كثير من النماذج المؤكِّدة هذا الرأي.

وتوجه إليَّ، وسألني: ما رأيك، وأنت كما تفيد مصادر كتابك، قرأت كثيراً من كتب المؤرِّخين القدامى؟

قلت: صحيح …، لدي مثال، وهو: عندما علم الشيخان باجتماع الأنصار في “سقيفة بني ساعدة”، للبحث في خلافة النبي (صلى الله عليه، وعلى آله وسلم)، وهو لمَّا يدفن بعد، أسرعا لحضور الاجتماع، وكتب الطبري عن سرعتهما في السير آنذاك: “كانا يَتقَاوَدان”، أي أنَّهما كانا يركضان، أو يُهرولان، فيسبق أحدهما الآخر، فيبدو كأنَّه يقوده، وظلَّا هكذا يتبادلان السَّبَق/ القيادة إلى أن وصلا، وغيَّرا مسار ذلك الاجتماع الذي حكم مسار التاريخ الإسلامي. إن هذه العبارة المجازية ثريَّة بالدلالات، ومنها النسق المعلن الذي تفيده دلالتها المباشرة، ومنها النسق المضمر، أو المسكوت عنه، وهو إغفال شأن النبي (صلى الله عليه، وعلى آله وسلم): الوفاة والدفن والوصية، والكلام يطول في هذا الشأن…

ابتسم المؤرِّخان الأديبان، وقال بيضون: المرويَّات، من فجر الإسلام حتى انحطاط نظامه، لم تكن لغتها بليغة، في كثير من الأحيان فحسب، وإنما كانت ملأى بالشعر، فكتَّاب هذه المرويَّات كانوا، في معظمهم، فقهاء، ولغتهم متينة، ومنهم من تأنَّق في أسلوبه، على غرار البلاذري واليعقوبي…

ثم اتَّسع المجلس لكثير من روَّاده، وطال الحديث، وتنوَّعت موضوعاته…

وبعد ذلك المجلس، كنا نلتقي، في جلساتٍ، في المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، وفي ندواته، وفي الجامعة اللبنانية، ومناسبات كثيرة…

مسائل البحث

قد أكون أشرت، في ما أملته الذاكرة عليَّ، إلى مسائل البحث في هذا الموضوع، وهو: إبراهيم بيضون، المؤرِّخ والأديب، ومنها:

1- إشكالية تتمثَّل في السؤال الآتي: هل يمكن أن يكون الأديب الشاعر الكبير مؤرِّخاً عالماً كبيراً؟

2- الإجابة النظرية؟

3- الإجابة العملية:

3-1 في الشعر

  • في نماذج من كتاباته الأدبية

3-3 في كتاباته التاريخ

1- إشكالية الأديب الشاعر/ المؤرّخ العالم

تتمثل هذه الإشكالية في أنَّ فاعلية إنتاج الأدب والشعر حَدْسية ولغتها أدبية نوعيَّة، وفاعلية إنتاج العلم عقلية منهجية، ولغتها علمية دقيقة الأداء، والمعروف أنَّ شعر العلماء نظم، في الغالب منه.

ويمكن، إن استطاع الأديب، أو الشاعر، أن يوظِّف إمكاناته الحدسية، في خدمة بحثه المنهجي، وتقديم معرفة علمية بلغة دقيقة الأداء، مقبولة من المتلقي، يمكن، إن استطاع ذلك، أن يكون باحثاً، في التاريخ، أو في أي علمٍ آخر، وفي المقابل، إذا استطاع الباحث العالم أن يغادر منهجيته، ويصدر عن حدسه، يمكن أن يكون أديباً وشاعراً. هذه إجابة نظرية عامة، نصغي، في ضوئها إلى إجابتَي بيضون: النظرية والعملية.

2- الإجابة النظرية

في ذلك المجلس، أجاب بيضون عن سؤال هذه الإشكالية. وإذ قرأت مقدمة كتابه “مقام ومقال”، رأيت أن أركن إلى ما كتبه في هذا الكتاب، وليس إلى ما بقي في الذاكرة من إجابته. قرأت، في هذا الكتاب:

“بالفطرة أخذني الشعر إلى متاهاته”، و”الشعر كان، ولا يزال، يتداوله العامليون بالفطرة، وربما بالوراثة”، وكنت به شغوفاً، ولحينٍ من الدهر، تسكَّعت في رواقه…، حتى إذا قطعت السابعة عشرة، كانت لديَّ، نواة مكتبة جلُّها دواوين وروايات، ثم انعطفت إلى حلبة التاريخ…” (ص.7).

و”حين أجد نفسي في مقام الأدب، لا أنجو، أحياناً، من تطفُّل التاريخ، هامساً في أذني: ما شأنك بهذا الأمر؟ فأردُّ: هي خواطر أستلُّها من فصيلة الشعر(ص. 85).

وإذ أكون مترعاً بالوجد، لا أكفُّ عن مراودة الشعر. وإذ جاء إليه التاريخ من حدائق الأدب، كما يقول، اكتشف صعوبة مغادرة الثاني؛ ذلك أنَّه كان راسخاً في مواجده، يتذوَّقه سلافاً، ويصوغه كلاماً رسيلاً، فإن لم يكن نظماً، فالجملة الشعرية في صميم السياق، في مبناه ومعناه… ويقول، في هذا الشأن: و”ثمة استحالة، في ما يخصني، أن أفصل بين الاثنتين، فكلتاهما قريبة من الأخرى” ( ص.8).

السؤال الذي يُطرح، هنا، هو: ما الضابط بين الأدب والشعر من نحوٍ أوَّل، والتاريخ العلم من نحوٍ ثانٍ؟ فتأتي الإجابة: “المنهج، في النهاية، هو ضابط الإيقاع” ( ص.8). إضافة إلى هذا الضابط، يرى بيضون أنَّ المؤرِّخ يرى ما لا يراه الشاعر المسكون باللحظة الساخنة، والقابض على اللحظة (ص. 48 و81 و138)، فالشاعر ينظم التاريخ عذباً رائقاً، عندما يكون للحدث طعم الشهادة ونكهة البطولة، وهو يؤرخ المستقبل أيضاً، وعندما يكون الحدث بمستوى القضية، لا يعود ثمة فصل بين المؤرخ الشاعر، أو بين الشاعر المؤرخ، إذ كلاهما يكتب حينئذ بقلمه وحبره بما يشبه سيفاً مشرفياً (ص. 60)، غير أنَّ الفضاء الإشكالي يتشكل عندما “تصطفق نزعة المؤرخ بنبض الأديب” (ص. 69). ويجد نظراء له، فالسيد حسن الأمين “المؤرِّخ الأصيل الذي تجلَّت مبكِّراً قراءته للتاريخ، ولم يكن طارئاً عليها…”. وكتابه سراب الاستقلال، في بلاد الشام (1918- 1920)، يرقى إلى مستوى إبداعي، ومن أهم المراجع في موضوعه. المؤرخ الكبير هذا مسكون بوجد الشاعر أكثر من جفاء المؤرخ (ص. 130 و131)، وإحسان شرارة الذي “ذهب من هذا الموقع إلى البحث العلمي، يقترب من المؤرخ، كما المؤرِّخ في صلته بالأدب” (ص. 138).

وقد رأى باحثون في كتابات بيضون أنَّه المؤرخ الأديب الشاعر، فكتب الباحث حسين أبو النمل: “ثمَّة من يعتقد صائباً أنَّ الدكتور بيضون شاعر يتخفَّى بثوب مؤرخ” (ص. 245). ولعله، من موقع الشاعر، لفته الدور البارز للشعر في الأندلس، فألًّف كتاباً عنوانه: “الأمراء الأمويون الشعراء في الأندلس، دراسة في أدب السلطة”. والجميل، كما يقول، أن يكتب التاريخ أديب شاعر، إذ إنَّه يمتلك الحدس مفتاحاً للرؤية العميقة، والعقل للتفكير والتحليل، والمنهج للطريق الموصل إلى الهدف، واللغة الأدبية للمتعة الجمالية.

3- الإجابة العملية

3-1 الشاعر- في الشعر

شُغف الفتى بيضون بالشعر، ومضى في دروبه، وصحب كبار الشعراء في بيئته، وحفظ الكثير من القصائد، كما اعتاد فتية الشعراء العرب أن يفعلوا، ليغدو النظم، لديهم، سليقة، وكما اعتاد العامليون أن يتداولوا الشعر…، بالفطرة، وربما بالوراثة، كما يقول (ن. ص. 138)، وهو من هؤلاء العامليين الموهوبين.

نظم بيضون الشعر؛ وهو، كما يفيد تأريخ نظم بعض قصائده، في الخامسة عشرة من عمره، وعدَّه د. رامز حوراني، في كتابه: “بنت جبيل الشاعرة – شعراء من بنت جبيل”، أحد شعراء هذه المدينة، وفي تعريفه به، كتب: نظم الشعر، وهو في سنِّ المراهقة وأثبت له حوراني قصائد، منها قصيدة عنوانها: “حنين الهوى”، نُشرت في مجلة العرفان، في 3/11/1956، من أبياتها:

“كاد يقضي من جفاءٍ ألهبت/ فيه بالآلام قلباً نَهِما”.

في البيت هذا صورة شعرية: “ألهبت…”، وهذا اللهيب كان وليد ثنائية تضاد، طرفها الأوَّل جفاء الحبيبة، وطرفها الثاني نهمُ قلب الحبيب، فكانت المعاناة، ولم تكن معاناة رومانسية، يُعرف بها حبُّ المراهقة، وإنَّما كانت معاناة واقعية معيشة.

أضاف حوراني أنَّ بيضون لم ينقطع عن الشعر وأجوائه خلال دراسته الثانوية والجامعية، بل كان يفاجئنا، من حينٍ إلى آخر، بطلَّات شعرية رقيقة، وله ديوان مخطوط يضمُّ مجموعة من القصائد، في معظم أغراض الشعر.

يبدو، في حدود معلوماتي عن مؤلَّفاته المطبوعة، أنَّ هذا الديوان الذي كان مخطوطاً، في العام 2001، عام صدور كتاب “بنت جبيل الشاعرة”، لا يزال مخطوطاً في 21/7/2025، تاريخ كتابة هذه الدراسة.

يلفت، في شعر الفتى بيضون، وكان في السابعة عشرة من عمره، المجاز المبتكر، ففي مطلع قصيدة نظمها في الرئيس جمال عبد الناصر، بمناسبة قيام الوحدة بين مصر وسوريا، سنة 1958، نقرأ:

“ومضى، في طريقه، يوقظ الفجر، في ربى أنواره…”.

يُسند الشاعر، في هذا البيت، إيقاظ ناصر للفجر، وهو فجر الأمة العربية الذي كان غافياً، ولم يطلع منذ زمنٍ طويل، ما يدلُّ على يقظة هذه الأمة ونهضتها، الأمر الذي يثير السؤال: أين يحدث ذلك؟ ويأتي الجواب ليس مباشراً، وإنَّما في صورة شعرية مبتكرة، فناصر يوقظ الفجر في ربى أنواره، كنايةً عن الأقطار العربية التي غدت مشعَّةً بأنوار هذا القائد، الماضي في طريقه لإيقاظ فجر الأمة.

وهذا البيت/ المطلع دالٌّ على رؤية الفتى إلى العالم وقضاياه، وهي رؤية ترنو إلى يقظة الأمة العربية ونهضتها، وإشعاع أنوارها…

وفي قصيدة أخرى غزلية، عنوانها: “البدر والبنفسج”، أُذيعت من الإذاعة اللبنانية، في 23/7/1961، نقرأ:

“كخيوط السنا…، كزهر الربيع/ وُلد الحبُّ دافئاً في ضلوعي/ واستفاقت على سناه ربوعي/ تُبدع اللحن مرهف الترجيع/ وعلى حضنه أضأت شموعي…”.

هذه استفاقة الذات، وولادة حبِّها، كخيوط النور وزهر الربيع…، وهي يقظة فجر آخر، ونور آخر، وولادة أخرى، تُضاء الشموع على حضنها. الدلالة نفسها ينطق بها شعر بيضون، مرَّةً عن يقظة فجر الأمة، ومرَّةً عن يقظة فجر الذات…

لكن هل دام هذا أو أنَّه كان حلماً من أحلامٍ وأدها المستعمر الغربي، الغازي “ربى أنواره”؟

نجد الإجابة في قصيدة “مجدها عطرٌ”. نُظمت هذه القصيدة سنة 1985، إبَّان محنة مدينة الخيام، بوصفها أنموذجاً لمحنة الجبل العاملي، في أثناء الإحتلال الإسرائيلي. احتُلَّت الخيام، ودمَّرها جنود المحتل وعملاؤه، وهجروا أهلها، ونهبوها، وسرقوا كلَّ ما فيها حتى الأبواب والنوافذ وبلاط أرض الغرف والحمامات، و…، وخلت المدينة من يقظة الفجر وولادات الحبِّ وأنوار الروابي، ومن الأصدقاء الذين يسميهم الشاعر واحداً واحداً…

ينبئك مطلع القصيدة بما كشفته عين الشاعر من جرائم ارتكبها المحتلُّ وعملاؤه، فنقرأ:

“تلبًّدت، واعتراها اليأسُ والكدرُ/ وأقفرت ليس يعشو نحوها البصرُ/ وأغلس الليل فيها مثخناً، وذوت/ أختُ الربيع، فما عن شمسها خبرُ…”.

تلفت الكناية “أخت الربيع” التي فُقدت شمسها، وما من خبرٍ عنها، كأن ليس من دورة حياة في النهار، والقمر هُجِّر من سمائها، ولم تبق من مجالس سمر فيها، ولا من حدائق جوَّال بها الزهر، ولا من عطر فوَّاحٌ منتشر للحسان اللواتي يختلن فاتنات…، ولا من أصدقاء، ويرجو أن يعود السرب، وأن يعود إليه كامله، ويقصد صديقه د. كامل مهنا، فنقرأ:

“…، وأن يعود إلى الأغصان طائرها/ وكامل السرب معقود له الظفرُ/ طابت أماسيه أفراحاً معتَّقةً/ كما الخوابي عريقُ مجدها عطرُ”.

يتحقَّق الرجاء، ويتحرَّر الوطن، ويُعقد الظفرُ للمقاومة، لكنًّ العدوَّ المحتلَّ يعيد سيرته في القتل والتدمير والتهجير…، والمقاومة عند وعدها الصادق، بأن يُعقد لها الظفر من جديد، وينشد شعراؤها أناشيد النصر، بعون الله سبحانه وتعالى.

3-2 الأديب- اللغة الأدبية

تحدَّث بيضون، كما مرَّ، آنفاً، عن تجربته في نظم الشعر، وفي الكتابة بلغة أدبية.

نماذج هذه اللغة الأدبية، بين يديَّ، كثيرة، وبي حيرةٌ أيُّها أختار، وقد رأيت أن أترك لبيضون نفسه أن يختار، فأقرأ فقرة من النص الذي قدَّمه في كتابه: “مقام ومقال” على النصوص الأخرى، وعنوانه: “حزنٌ كثيرٌ وشيءٌ من الذكريات”، وهو “في رثاء الشاعر الكبير جوزف حرب- المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، 2014″، والكتاب نفسه مهدى لهذا الشاعر الكبير:

“أحاول الدخول إلى عالمك من باب لا يوقعني في مهبِّ الحزن، فلا أعثر على غيره سبيلاً إليك؛ حيث تحتشد كلُّ مفرداته، بألوانها وسماتها، وأبعادها في تراثك سفراً سفراً، ولطالما اجتهدت في تفسيره، فما انجلت أمامي فضاءاته الغائمة…، وما هو إلا شتات أفكار وهمت بها، وما رافقتني نجمة، في ذلك السدف العريم” (ص. 13).

اللغة أنيقة رشيقة، معجمها اللغوي مأخوذ من لغة الحياة اليومية، ما عدا “السدف العريم”، ولعلَّهما يمثلان حالة الحزن/ الظلام الحالك التي كان يعيشها، من دون أن ترافقه نجمة/ ضوء/ عزاء…، والعبارات تتنوَّع بين طويلة وقصيرة، بسيطة التركيب، واضحة، تمليها الحالة دفقاتٍ متتابعة، والتكرار ملحوظ، وهو ضمير المخاطب، يتحدَّث إليه حديث الصديق ليخبره عن حاله بعد فقده، وهي حال من لم يجد سوى “مهبِّ الحزن” مدخلاً إلى عالمه، الحزن الذي تحتشد مفرداته…، ولا تنجلي فضاءاته الغائمة، وهذه الفضاءات تشكِّلها مجازات كثيرة ، ليكون “السدف العريم” عنواناً لها، وهو في هذه الفضاءات ينطق بشتات أفكار، تمليها حالة “مهبِّ الحزن” التي يعيشها. وهذا جميعه يفيد أنَّ لغة بيضون، في هذا النصِّ، لغة أدبية متميِّزة، لكن كيف كانت لغته في كتابة التاريخ؟ وما هي خصائص كتاباته التاريخية؟

3-3 المؤرّخ- الكتابات التاريخية

يحمل بيضون شهادتي دكتوراه في التاريخ، لكنَّ الشهادات وحدها لا تكفي؛ إذ لا بدَّ من أن يمتلك حامل الشهادات “عدَّة” المؤرِّخ.

يُصدِّر بيضون كتابه “الحجاز والدولة الإسلامية” بقول لوسيان فيفر: “ليس المؤرِّخ من يعلم، إنَّ المؤرِّخ من يبحث، وإنَّنا لباحثون” (ص. 7). فمن هو الباحث في هذا المجال؟  وما هي صفاته؟

يرى بيضون أنَّه “من غير المسوَّغ أن يتَّخذ صفة المؤرِّخ من كان غير حائز على شروطها، وهي شروط قد لا تتمُّ بالاكتساب فقط، وإنَّما بالفطرة أيضاً، ممَّا يؤهِّله كالشاعر أو الناقد أو الأديب، لاتخاذه دوره الصعب وتحقيق رسالته العلمية من خلاله” (تاريخ بلاد الشام، في العصور الإسلامية، ص. 27).

والمؤرِّخ الذي يمتلك هذه الصفة وشروطها يعود إلى المصادر التاريخية والجغرافية والأدبية، من دون أن يهمل ما كان من إضاءات، في هذا السبيل، في الدراسات الحديثة، عربية كانت أو استشراقية، على أنَّ المصادر تبقى هي المنطلق الأساس، وفيها من المكامن للضوء والتفسير والاجتهاد، ما يجعلنا أدنى مسافة إلى الحقيقة…” (مؤتمر الجابية، ص. 12). ومن المصادر التي يمكن الاعتماد عليها النصوص الشعرية، ومن نماذجها قصيدة “زفر بن الحارث الكلابي” التي تجسد معاناة القيسيين، بعد معركة “مرج راهط”، ومنها قول زفر المشهور:

“… فقد ينبت المرعى على دمن الثرى/ وتبقى حزازات النفوس كما هيا…” (تاريخ بلاد الشام، ص. 175).

وهنا نلحظ إسهام بيضون الأديب في تكوين شخصية بيضون المؤرخ الذي يقول:

إنَّ اعتماد المؤرِّخين على المراجع يوقعهم في التشابه بين مؤلَّفاتهم، وهو تشابه لافت دالٌّ على نقل معلومات متداولة…، ما أدى إلى وقوع المؤرخ في النمط السردي الذي يتولى نقل الحدث في صورته “الإخبارية” فحسب.

المؤرخ الحقيقي، لا يكتفي بسرد المعلومات المتداولة، وإنما عليه أن يحصل المعرفة التاريخية العلمية، ولكي يفعل هذا، ينبغي أن يمتلك المنهج الملائم، وأن يعتمده لتحقيق هدفه من دراسته.

يتحدث بيضون عن هذه المسألة، في غير موضع من كتاباته، فيقول: نحاول إعادة تركيب العناصر التاريخية للمرحلة التاريخية من منظور تحليلي، لا يجنح عن النص، ولا يعطيه، في الوقت نفسه، هالة تحصِّنه من النقد؛ وذلك لأنَّ “أخبار” المؤرخين القدماء كانت “لا تتعارض، على الأقل، مع سياسة السلطة التي يعيشون في ظلها، فتاريخهم، في الغالب، هو تاريخ السلطة… (مؤتمر الجابية، ص. 11)، وأنا أسعى إلى إنصاف المعترضين الساعين إلى حياة كريمة، والذين قُتلوا مرَّةً بسيف السلطان، ومرَّةً أخرى بأقلام مؤرِّخيه.

من هذا المنظور، يقدم بيضون قراءة تاريخية جديدة تراعي خصوصية الحدث وبيئته وحركته زماناً وتداعيات؛ “وذلك في سياق منهج تحليلي متوازن، وأكثر اكتناهاً للرواية، ليس في عالمها الخاص فحسب، بل في اتصالها نبضاً بالمستقبل، غير المنقطع عن الذات” (تاريخ بلاد الشام…، ص. 351). وفي نهاية مقدمة كتاب “الحجاز والدولة الإسلامية…”، يقول:” إنَّ دراسةً، بهذا الحجم، تستوجب تفكيك المراحل، وإعادة تركيبها من جديد، وهو ما نزعم أنَّنا حقَّقناه في هذا الكتاب، عبر منهاجه التحليلي الشمولي، وغير الخاضع لأيِّ تراكم سوى ما تمليه النصوص من معطيات، موظًّفة جميعها لخدمة الهدف العلمي والمقاربة الموضوعية لحقائق التاريخ” (ص. 11). وهو، في الكتاب نفسه، لا يأخذ بمنهج المدرسة التاريخية التي تخضع لميول الأوائل من الرواة…، وإنما يأخذ بالمنهج الاستقصائي للظواهر التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي كان لها تأثيرها الخفي، أو المباشر، في الأحداث والتحوُّلات، ويقتضي هذا المنهج تتبُّع الانتماء الحزبي والقبلي للرواة، وانعكاس ذلك على واقع مرويَّاتهم ودقتها (ص. 20).

يمكن القول، في ضوء ما سبق: إنًّ المنهج الذي يعتمده المؤرخ إبراهيم بيضون هو منهج نصِّي وصفي، ينطلق من النص بمفهومه الشامل، وليس الخبر فحسب وإنما الظواهر أيضاً، يحقِّقه، ويستقصي سياقه التاريخي، من منظور نقدي، ويحلِّله تحليلاً شموليَّاً، ويعيد تركيبه، ويخلص إلى بلورة حقيقة تاريخية “ليست حاسمة، فليس ثمة حقائق مطلقة في العلوم الإنسانية، خصوصاً على مساحة التاريخ، حتى تلك المبنية على وثائق من العهود الحديثة والمعاصرة؛ إذ هي خلاصة توصيفات لتقارير تُوائم مصالح دولة ما، أو طرف ما…”(مقام…، ص. 7).

حقائق تاريخية كثيرة، قد تكون “غير حاسمة ومتحرِّكة”، خلصت إليها بحوث المؤرخ بيضون، منها، على سبيل المثال فحسب: الدعوة العباسية التي بدأت بإرسال “محمد بن علي بن عبد الله بن العباس” الدعاة إلى الأمصار، وخصوصاً إلى خراسان، تلقَّاها من عبد الله بن محمد بن الحنفية، المعروف بأبي هاشم (تاريخ بلاد الشام، ص. 225). إنَّ سقوط الدولة الأموية، لم يكن نتيجة ثورة في خراسان، بل كان نتيجة ثورة في سوريا، وهذا ما يقوله المستشرق البريطاني”دانيال دينيب” (ن، ص. 10 و216)  وهذه الدولة كانت دولة قبلية تعتمد على تحالف قبلي يمتلك القوة العسكرية، وقد عملت على أن تبقى بنية المجتمع العربي بنية قبلية تسودها منظومة قيم قبلية (ن. ص. 19- 21). التمييز بين المردة والجراجمة والموارنة، والتقرير أنًّهم ليسوا جماعة واحدة (ن، ص. 191- 198). نقاش حقيقة عبد الله بن سبأ: الشخصيًّة المتخيَّلة أو الحقيقية، نقاش لها جديد. الانتفاضة الأولى، في وجه الانتداب الفرنسي، سنة 1936، في بنت جبيل، هي الحركة اللبنانية الوحيدة التي سقطت فيها دماء، في سبيل الاستقلال.

يجد من يريد التوسُّع، في هذا الموضوع، العودة إلى ما كتبه بيضون عن تجربته في كتابة التاريخ، وإلى مؤلفاته؛ إذ إنَّ حجم هذه الدراسة المحدَّد يجعلنا نكتفي بهذا القدر من البحث.

وفي الختام،

يمكن القوال: إنَّ أ. د. إبراهيم بيضون مؤرِّخ وأديب كبير، سُمِّي، بحقٍّ، شاعر التاريخ الإسلامي” الذي دخل التاريخ من باب الشعر، ولم يخرج منهما (السفير، 2/3/2001)، لكنه، وإن دخل التاريخ من هذا الباب، كان المؤرخ “الشاهد الذي لا قلب له”، كما وصف أمين الريحاني، من قبل، المؤرخ الحقيقيّ.

مراجع الدراسة:

د. رامز حوراني، بنت جبيل الشاعرة- شعراء من بنت جبيل، إصدار خاص، ط. 1، 2001.

مؤلفات أ. د. إبراهيم بيضون:

تاريخ بلاد الشام، في العصور الإسلامية، في إشكالية الموقع والدور، بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط. 1، 2002.

الحجاز والدولة الإسلامية…، بيروت: دار النهضة العربية، ط. 1، 1995.

مؤتمر الجابية…، بيروت: دار النهضة العربية، ط. 2، 1997.

مقام ومقال، بيروت: مطابع يوسف بيضون، ط. 1، 2016.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى