المجلةثقافة الإبداع

قراءة في قصيدة “نتشابه في الظل نتباين في الضوء” للشاعر مجدي الحجار

- القراءة الثالثة -

– القراءة الثالثة –

قراءة في قصيدة “نتشابه في الظل نتباين في الضوء” للشاعر مجدي الحجار

أ. هدى الخوري

ما إن يهلُّ علينا عنوانه، يُحمّلنا نصّ الشاعر العميد مجدي الحجَّار مجدافين، لنمضي في غمار يمٍّ تتدافع أمواجه لتدخلنا في صراع حقائقنا وصورنا.

والغوص في هذا النصّ رحلة شاقّة نراقب فيها زيفنا المحبوس في المآقي وهو يتحوّل نبيذاً رديئاً بما أثقلته المظاهر وبما أصابه بفعل الضوء، نبيذ رديء يتجرّعه الليل، حتّى لكأنّ أعمارنا حانات ضيّقات تستسقي فيها الليالي أحداقنا.

الليل سكون يحملنا إلى معاينة حقيقتنا السافرة لكنه في مستهلّ القصيدة لا يتّسع لبلوغ الصفاء فيلفظ دمعنا رحيق سراب تتشرّبه وجوهنا لنثمل خلال النهارات ونثرثر محوّلين خيباتنا عروضاً للعابرين، عروضاً لأمجاد تصوّرها وجوهنا أمام النوافذ، كي تطلّ متباهية، نوافذ- مرايا تقدّم انكساراتنا سراب أمجاد تتراكم وتتكاثف في ثنايا الظلمة فتعتصرها نبيذاً!! نبيذاً رديئاً.

بين مجداف الليل ومجداف النهار، بين مجداف الضوء ومجداف الظلال، بين الخيبة العميقة والثرثرة بالمجد يمضي بنا مركب القصيدة، يستنزفنا زمنها أو نستنزف زمننا، وحدها الأسرّة رفيقة ليالينا  تبصر انفصامنا بين ما نبطن وما نظهر، والأسرّة شاهدة على تلك المسافات الهائلة من الغربة الفاصلة بين القلوب، حتى في لحظات الالتصاق والعناق، حيث يفقد المكان معناه الحسّي داخل انعدام المسافة ليتجاوزه إلى معنى نفسي أو روحي يتحوّل معه الفراش محطّاً لحمولة ثقيلة من التناقضات تلقى عليه فيتعرّق، بفعل احتكاكاتها، ضباباً من أسئلة مرهقة.

يحملنا النصّ إلى صورة افتراضية (image virtuelle) تطلّ، من خلف نافذةٍ- مرآة سيّدةٌ تسرد لأولادها قصّتها مع الشاعر، في قالب من الغرور، تلفّق وجوه الخسائر والانتصارات مختلقةً أبطالاً كما يفعل الروائيون، تصقل طبائع أبطالها وتحوّر أقوالهم لترضي غرورها بكثرة الكلام. وسيدة النصّ هذه هي الوجه الآخر للذات، هي انفتال المجداف الذي يحمل مركبنا على الدوران على ذاته، ويبدي الشاعر في هذه المرحلة بعض ليونة أوبعض لطف إذ يسمّي الثرثرة “حكي كثير”.

حكي عاجز عن الامساك بالخيط من أوّل الجرح، ويلتوي عند هذا العجز خطّ الخسارات المستقيم ببعد الصدق الأخلاقي، ليوازي بشكلٍ أو بآخر انحناءات خيباتنا وربّما ذلّنا الذي تميل معه جبهتنا. لكن عجزنا عن الإمساك بأوّل الجرح لا يمنعنا من الإمساك بأواخره فنسيلها حبراً، نسيلها كلماتٍ منسوجةً مجازاً جديداً، ندبجّها شعراً لنستر جسد الأمس، غير أنّ ثوب الشعر لا يتناسب مع زوايا الأمس وخطوطه، والشاعر مدرك للخلل في المقاسات، هذا الخلل الذي يصفه بالفاضح، الخلل الذي يفضح عجز الكلمات عن البوح والاحاطة.
ويهتزّ غصن الحياة ممتدّاً بين الشعر وواقع الأمس، أو حولهما بأوراقه الذابلة، لتزداد ليونة الشاعر إذ يدخلنا في مساحة حماقة عقلنا تجاه الحياة التي ربّما تتقدّم منا بكرمها وطيبتها كسيدة تنحني لنا باحترام غير أننا نعرض عنها ونعاتبها بل ونطالبها باعتذارعمّا اقترفناه بحقّها، أو بحقّ أنفسنا بما اعتقدناه عقلاً وهو في حقيقته حماقة، إذ نضيّع الفرص الأصيلة والمعاني العميقة بقصديّة “واعية”. وينقاد النصّ إلى مزيد من الليونة والكشف العميق لينجلي لنا تشابهنا في مساحات الظلال وكأنّه يدلّنا إلى وحدة عناصرنا البدئية فتتراجع حدّة وصفه للتباين في ما نظهره من رياء في الضوء الذي وإن تسلّل إلى بدايات الليل وحقن المساء بأمصال الغرور في ضوء مصطنع تنشره ثريّا نفيسة لا يمنع الشاعر من سماع عواء الظل وقد ارهقه الزيف، في مقلتي المرأة- الذات وفي قلبها كذلك.

عند عتبة الليل وعلى صفحات المساء وكأنما المساء كتاب مفتوح، يعدو الشاعر كـ “ذئب” مستعيداً طبيعته “الوحشية” والوحشية هنا عطش إلى النقاء، إلى الصدق، يعدو الشاعر على صفحات كتبه مستسلماً لنهشها عسى أن يلاقي الليل أكثر تخفّفاً من أحماله. عند هذه العتبة تتألّق الطفولة في براءة ابنته- ذاته لتكشح الظلّ عن مقلتيه ولو قليلاً فيستعيد بعض صفائه على نغم ضحكة الطفولة التي تشعل أنواراً أصيلة وبعيدة تُسكِن الروح لتغفو، ويتّسع فضاء الصدق وينجلي الاتحاد بحقيقة وحدة العناصر العميقة لتتحوّل حدّة خطاب الشاعر إلى انسياب يتجاوز الليونة حتى ليكاد يصيخ السمع لدمع الآخر- الذات وقد تلألأ بين النجوم البعيدة فتقبس شفافية الشاعر ضوء القصيدة من نجمة آفلة فضوء الأفول متواضع متخفّف خافت وأصيل.

وتسكن أمواج اليمّ، نضع المجدافين جانباً ونستلقي نراقب النجوم البعيدة بعد رحلتنا الشاقة من التباين في الضوء إلى التشابه في الظلّ رحلة في مركب شعري أصيل يسبك المعاني بنصّ يتصاعد بنا لولبيّاً ليحملنا من أقصى التناقضات وحدّة اللغة إلى قمّة الرهافة والانسياب إلى قبس نور القصيدة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى