ثلاثية المعرفة: جدلية التاريخ والأدب في تشكيل صورة الشخصيات التاريخية

ثلاثية المعرفة: جدلية التاريخ والأدب
في تشكيل صورة الشخصيات التاريخية
بدر شحادة
مقدمة: الإطار النظري (مثلث المعرفة)
تتشكل الحقيقة التاريخية في جوهرها من تآلف ثلاثة عناصر جوهرية، لا يقوم بنيان المعرفة الإنسانية المتزنة إلا بها؛ فالتاريخ دون أدب :”هو مجرد هيكل صلب”، والأدب دون منطق هو :” خيال جامح” قد يطمس معالم الحقيقة. ولفهم الأحداث والشخصيات التي شكلت ماضينا، تنطلق هذه المقالة من إطار مفاهيمي يعتمد على “ثلاثية المعرفة”:
”المادة” (الجسد الصلب): وتتمثل في التاريخ المحض، بما يحمله من وثائق وأرقام وشواهد ماديّة تمثل الهيكل للحقيقة في تجرّده وثباته. فالتاريخ (الأرقام والكرونولوجيا) إذا ما خلا من “الروح” الأدبية تحوّل إلى سجل صامت؛ فالإنسان لا يتعلم من الأرقام والإحصائيات فحسب، بل من “التجربة الإنسانية”.
”الروح” (النبض الحي): وتتمثل في الأدب الذي ينفخ في ذلك الجسد الحياة، فيتجاوز الأرقام ليغوص في الأماني والمشاعر الإنسانية، فيطوف فوق الوثيقة لينقل لنا اللحظة الإنسانية. بيد أن تلك المشاعر تتجلى انعكاستها السلبية على المعرفة العلميّة حين تتطغى على صوت “عقل”؛ فالأدب بطبعه ميّال للإبداع والمبالغة، وإذا تُرك وحيدًا فإنه يخلق تاريخًا موازيًا قد يخلط بين الواقع وخيال المبدع ” الأديب”.
”العقل” (المحقّق والناقد): ويمثل الواقعية وصمام الأمان. العقل في هذا المثلث هو ما يُعرف أكاديميًا بـ “المحقّق أو الناقد”. هو الذي يتدخل لضبط خيال المبدع -كبح جموح الخيال-، مواءمًا بين العاطفة وبينما تحمله الوثيقة من معلومات مجرّدة، لينتج صياغة وازنة تجسد إلى حدٍّ الصورة الأقرب للحقيقة.
وبتطبيق هذا الإطار المنهجي لمعالجة معضلة “الذاتية والموضوعية” في التدوين، تبرز شخصية الخليفة العباسي هارون الرشيد كنموذج فريد لظاهرة “انشطار الشخصية التاريخية”؛ حيث تفرقت ملامحه بين صرامة المؤرخين، وخيال الأدباء، ونقد المحققين.
أولاً: الرشيد في عين “التاريخ”
عند العودة إلى التدوين التاريخي، نجد شخصية الرشيد تتسق مع المهام الجسام للخلافة ومقتضيات إدارة الدولة. وقد تجسد هذا الاتجاه بوضوح عند كبار المؤرخين الذين غلّبوا الجانب التوثيقي.
فالمؤرخ الكبير الذهبي في مصنفه “سير أعلام النبلاء”، والمؤرخ ابن الأثير في كتابه “الكامل في التاريخ”، أجمعا على تقديم الرشيد في صورة رجل الدولة من الطراز الأول، والخليفة الذي كان “يحج عامًا ويغزو عامًا”، معظمًا لشعائر الدين، ومجالساً للعلماء والفقهاء. لقد أبرزت هذه الكتابات قدرته على مواجهة التحديات السياسية والعسكرية المعقدة.
وفي هذا السياق التأريخي الجاد، لا تكاد تُذكر مجالس “الطرب” و”المجون” إلا في سياق تهميشها أو نقدها، لتبقى الصورة المهيمنة هي صورة الحاكم القوي وحامي الثغور.
ثانياً: الانزياح الأدبي نحو الأنسنة والفن
بدأت الحقيقة التاريخية تفقد صلابتها، وبدأ الانزياح نحو “الأنسنة الفنية”، عندما تدخلت أقلام الأدباء والمؤرخين ذوي النزعة القصصية.
ويُعد المؤرخ والأديب المسعودي في كتابه “مروج الذهب” من أبرز من أسهم في هذا التحول؛ فقد اتبع منهجًا يعتني بالغرائب والنوادر، وركز بشكل لافت على جوانب اللهو والترف في عصر الرشيد. ويُعزى هذا التوجه لدى المسعودي إلى نزعته الأدبية من جهة، وإلى ميوله السياسي المعارض للرشيد من جهة أخرى.
وسرعان ما تعمق هذا المسار في كتب الأدب، حيث برز دور “أبو الفرج الأصفهاني” في “الأغاني”، وابن عبد ربه الأندلسي في “العقد الفريد”. فقد ركز هؤلاء الأدباء على الرشيد كراعٍ للفنون والآداب، فاستُبدلت أخبار الثغور والسياسة بأخبار القيان والمغنين والشعراء، مما وفر بيئة خصبة وشبه شرعية للقصاصين الشعبيين لاحقاً.
ثالثاً: صناعة الأسطورة (دور القصاصين)
مثّلت عملية “التعريب – الترجمة ” للنصوص الوافدة النقطة المفصلية في تحول الرشيد من شخصية تاريخية إلى بطل أسطوري، وتحديدًا من خلال كتاب “هزار أفسان” (ألف خرافة) الفارسي.
وهنا يبرز دور أبي عبد الله الجهشياري، كأول من حاول جمع هذه القصص وتبيئتها في الثقافة العربية. فقد عمد الجهشياري ومن تبعه من القصاصين إلى استبدال أبطال الحكايات الخيالية بشخصيات حقيقية من التاريخ العباسي، فتم إسقاط دور البطولة المطلقة على هارون الرشيد نظرًا لجاذبية عصره وقوة رمزيته.
وقد تنبه العقل النقدي المبكر لهذا التزييف؛ إذ يصف العلامة ابن النديم في كتابه “الفهرست” هذه الحكايات صراحة بأنها “غثة باردة” ومن خيالات القصاصين، مما يؤكد وعي النخبة المثقفة آنذاك بزيف هذا الإسقاط التاريخي.
إلا أن هذه الأسطورة استمرت في التضخم حتى بلغت صورتها النهائية في العصر المملوكي بالقاهرة، حيث تمت “قهرنة” شخصية الرشيد (إضفاء الطابع القاهري عليها).فتحوّل الرشيد إلى خليفة يتجول متخفّيًا في أزقة تشبه أسواق القاهرة المملوكية، يرافقه جعفر البرمكي ومسرور السياف كشخصيات درامية.
رابعاً: الاحتكام إلى “العقل”
أمام هذا التباين الشاسع بين مادة الذهبي وابن الأثير، وروح الأصفهاني والجهشياري، يأتي دور “العقل” كناقد ليطرح تساؤلاته المنطقية: هل يُعقل أن تدار الخلافة العباسية بعقلية الحكايات الغرامية والمغامرات الليلية؟
إنّ دراسة الشخصيات التاريخية الكبرى كهارون الرشيد تتوزع بين مسارين متوازيين: فالمؤرخ (الذهبي، ابن الأثير) صدق في نقل الحدث السياسي والسيادي ووثق لـ “مادة” الحضارة، والأديب (الأصفهاني، المسعودي) صدق في نقل الأثر النفسي وتطلعات الوجدان الشعبي ومثّل “روح” العصر. إلا أن المنهج الأكاديمي المحكم يثبت أن الرشيد الأسطوري، بطل “ألف ليلة وليلة”، ليس سوى صناعة قصصية استثمرت الهيكل التاريخي لبناء صرح من الخيال الأدبي العالمي.
وبدون تفعيل دور “العقل” كناقد يفكك النصوص ويوازن بين صرامة الوثيقة وخيال الأدب، سيبقى العقل العربي مرتهنًا لقراءة تاريخه من خلال عدسة الحكايات الشعبية، متغافلًا عن السجلات الحقيقية لبناة الدول وصناع الحضارة.
بدر شحادة، لبنان، باحث في التحولات التاريخية والإستراتيجية
81357734 00961




