الأبحاثالمجلة

الشاعر فؤاد رِفْقَة: “بيدر” الكلمة في أفق الوجود وما بعد الوجود!

الشاعر فؤاد رِفْقَة:

“بيدر” الكلمة في أفق الوجود وما بعد الوجود!

الأب مارون الحايك

 

شاعر مكتنز المواهب والأفكار والرؤى. طالع العلوم الإنسانية وتعمّق في الفلسفة واللاهوت والفنون، وعايش التجارب الحياتيّة والوجوديّة.

تأمّل الكلمة، وعبَّر عن معناها ومكنوناتها ودلالاتها. أطلق على ذاته اسم “بيدر” وراح يبحث عن علاقته بالأرض وبالكون، فتناغم مع الأرض والطبيعة والفصول، وتسلّق القمم وانحدر إلى الأعماق… يسأل عن كل شيء في الوجود، ويسأل عن ذاته، عن معنى وجودها.

بدأ حياته في حوار، ولم ينقطع حواره حتّى بعد رحيله في “هموم لا تنتهي”.

وفشل الشاعر في دواوينه الثلاثة الأولى: “مرساة على الخليج”، “حنين العتبة”، “العشب الذي يموت”، في جمع الروابط بينه وبين الواقع وعالم الغيب، فوضع ديواناً مختلفاً “علامات الزمن الأخير”، أهداه إلى حبيبته أي زوجته “سناء”، وراح يخاطبها امرأةً من دمشق. فبدأ أسلوباً جديداً، وهذا الأسلوب هو أسلوب الرثاء والفجيعة والموت. إذ تابع في هذا الديوان ما انهاه في ديوانه “العشب الذي يموت”، وهو غنائيّته دمشق، أو امرأة من دمشق، يرثيها وهي عزيزة على قلبه، لأنّ دمشق عاصمة بلاد الشام ضمن الهلال الخصيب الذي آمن الشاعر بعقيدته، عقيدة الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، بعد أن قرأ كتاب “الصراع الفكريّ في الأدب السوريّ” للزعيم أنطون سعادة، الفيلسوف الاجتماعيّ. ويعترف الشاعر بأنه أوّل كتاب قرأه، وتأثّر به، وشكّل أنموذجاً له للخروج من انحطاط الأمَّة التي دعا إليها سعادة.

وجاءت القصيدة إلى “امرأة من دمشق” على خلفيّة أسطوريّة، الإلهة عشتار، إلهة الانبعاث، المفعم بالأمل في النطاق القوميّ الذي تنتهي إليه دمشق، ويتذكّر الشاعر الحضارة السوريّة القديمة، فيقول:

قديماً عرفتِ الحصاد

وطعم البيادر

زرعت البيارق بين الحناجر

زرعت للفارس المعتمر

سماء البلاد

قديماً عرفتِ ضياءَ المجامر (الديوان، ص 10 -11).

وينادي الشاعر تلك المرأة في دمشق، فيقول:

حُلِّي المناديل

واطلبي النائحات من أريحا

يا ابنة قاسيون

فالشوارع مقفرة

وبين الخرائب تولم الكواسر.

هِلِّي شعرَك يا صبيّة،

واغلقي النوافذ،

فالعريسُ جثة في الحقل

والحقل لا يعرف المواسم

والمواسم بلا أعياد…

إنّه زمن الجوع… (المصدر نفسه، ص 11 – 12).

وينوح الشاعر ويبكي شعبه وأرضه، فيقول:

كيف أحجب صوتي

كيف أحجبه عن الأنين،

وشعبي يمامةٌ بلا أرض

وأرض بلا سياج،

وسياج بلا حديقة،

وحديقة بلا مطر! (المصدر نفسه، ص 16)

ويجمع الشاعر دمشق والقدس وأريحا وجلعاد في حضارة واحدة، هي حضارة بلاد الشام. لكنّ هذه الحضارة فرغت من ناسها وبطل دورها، لأنّها وصلت إلى زمنها الأخير، فيقول:

عبثاً تقرعين الأجراس

عبثاً تسهرين

فالبيوت لن تعرفها السنونو

وجلعاد ستبقى بلا ماشية (المصدر نفسه، ص 19)

ويشير الشاعر إلى الأساطير التي كانت تشير إلى الشمس بالانبعاث، وذلك من خلال إله الخصب والبعث الذي يسيطر على قوى الوجود ومنها الشمس وانكفاء الشمس وسقوطها، إشارة إلى موت الإله تمّوز أو أدونيس مضحيّاً بنفسه، فيقول:

في ثياب الغرباء

سوف نمضي

بعد أن تنكفئ الشمس وتهوي

بين أيدينا رماداً للشتاء

لم يعد شيءٌ يقال (المصدر نفسه، ص 20).

أيّتها الأرض

يا حديقة الأسرار القديمة،

بلا حدود أنحني وأبكي

بلا حدود!

قريبةً كنتِ،

وأنتِ اليومَ المسافة والرحيل (المصدر نفسه، ص 21 – 22)

ويحلم الشاعر بالوطن الذي يرمز إلى الحضارة، فيخاطبه:

أيّها الوطن

أيّتها الحدود الموحوشة،

متى ترتفع الأسوار

وفي الجبال تضيء الكروم!

متى يزهر الحقل

وعلى سياجه تستريح الظلال!

ومتى للقطاف تنحني الجذوع! (المصدر نفسه، ص 26 – 27).

ويعد الشاعر بأنه سيرجع إلى دمشق الحضارة والرقيّ والحياة والخصب والحركة والبحبوحة والاستقرار، وهي صفات تمّوز في الرجوع إلى الحياة أو اليقظة، وفي بعث حيويّة الطبيعة بالأثمار والقمح وبالنور، كأن الشاعر اعتبر نفسه “تمّوز”، وقد كتب القصيدة بعد معركة تشرين سنة 1973، فيقول:

راجع، يا دمشق، أُوقظُ أيّامي

وأمتدُّ سلّماً للسحابه

في أراضيكِ، راجع صار وجهي

ثمراً للقطاف، يفتح بابه

للنواقيس، صار وجهي رغيفاً

مستديراً، وفي ثيابي أضاءَه (المقدر نفسه، ص 28).

يصف الشاعر طريق حياته، أي يرسم خريطة سَفَره في الحياة، فيقول:

مشارف الطريق:

طفولة، حكاية، سرير

يحرسه الإله

تزهر في سمائه خطاه

منتصف الطريق:

يخرج من سريره

للعالم الكبير

يضيع في دخانه

يسكن بين الرّيح والحريق

أواخر الطريق:

يرى غيوم الموت، يستفيق

من غفلة النهار

يصير للحجار

أسرارها

يصير فيها الطرف الأخير! (المصدر نفسه، ص 31 – 32).

ويتذكّر الشاعر حبيبته في ضيعته التي رحل عنها ثمّ عاد إليها وكان يكتب لها قصائد، لكنّ حبيبته رحلت إلى الأبد، فيقول:

في ضيعتي صبيّة

أحبُّها،

وكنت من زمان

أُهدي لها قصائدي

ودارت الأيام

رحلتُ في أجنحة الطيور

عن ضيعتي(…)

مخلّفاً حبيبتي(…)

في سُفُن الأعوام(…)

وعُدت من مشارف القدر

لضيعتي

وفي يدي قصيدة

سألتُ عن حبيبتي

أجابني الحجر:

راحت مع الدخان (المصدر نفسه، ص 34 – 35).

إذاً، يتذكَّر الشاعر في هذا القسم من ديوانه، مراحل طفولته وذكريات الصبا عندما كان في ضيعته الكفرون، فكتب سيرة حياته في هذه القصيدة، ليقول:

أين صرتُ

أيُّها الضوء الذي في البيت كنتَ

ساعدَ الأمّ، تراتيل السرير.

ثمَّ رُحتَ

عبر سور الدار تستقصي، عرفتَ

طرقَ الأرض،

(…) غامرت (…)

وانتهيتَ:

هوذا الآتي بغارِ الرعب

بالقاعِ الضرير (المصدر نفسه، ص 43 – 44).

ويخاطب الشاعر رحم الأرض متنكّراً أنّه كان فيه، لكنَّه خرج إلى الدخان والغربة والشتاء والرياح، فيقول:

رحمَ الأرض، قل لنا، حين كنَّا

في خلاياك طينة، أيُّ وجهٍ

كان يطفو مع الدخان إنسينا

بعد أن صرت غربةً ومسافه

في غيوم الشتاء رحنا، عرفنا

كيف تأتي الرياح، كيف المواني

سَفَراً تستحيل، كيف السفينه

تتلوَّى تصير قاعاً، عرفنا

كيف عند المساء نصمت، نلقي

في الأيادي رؤوسنا، وعرفنا

كيف تنأى البيوت عنَّا، وتبقى

طرق الأمسِ في الشفاه خرافه

نحن لو نسكن الحجارة، لو نبقى

كما الصيف برهة، لو نسوِّي

في شقوق الصخور حضناً، ونغفو

كالعصافير عند سور المدينهْ!

رحمَ الأرض، هنا كبرنا، قريباً

يلتقي النهر بالضفاف الأمينة

(هلدرلن، مختارات من شعره، وضعها فؤاد رِفقه بالعربيّة، ص 9 – 15).

في القسم الكبير من الديوان، يجري الشاعر حوارات شعريّة مع الشاعر الألمانيّ هلدرلن (1770 – 1843) الذي نقل له عدّة قصائد إلى العربيّة، وبهذه الأبيات القليلة، يذكّر رفقه بما قاله هلدرلن: “هنيئاً لمن يسكن بيته في وطن معروف، لأنّه وحده الذي يسكن بيته يكون سعيداً”.

والوطن المعروف، ليس بوجوده كبقيّة الأوطان على خريطة ما، ولا بقوّته العسكريّة أو الاقتصاديّة، أو البشريّة، ولا بهذه كلّها معاً، وإنّما بشيء آخر غريب عنها، وفي الوقت ذاته منبعها… هو أن يصير الوطن أو البلاد وطن الشعر، والشعراء هم كالجسور بين المسافات، والشاعر هو الذي ينقل الكلمة التي تحكيها الآلهة، فيغنِّيها (الدّيوان، ص 73 – 74) ويقول رفقة:

أن تصير الجسور بين البراري

ثمَّ تنحلّ في البلاد المحيطه

بالأساطير، أن تسوّي خريطه

بين عينيك للجنون وتعرى:

أن تغنّي

عندما تمَّحي حدود الخريطه.

ويتحاور الشاعر مع هلدرلن، الذي يقول له بان عيونه أي رؤاه تأتي بالأرض، للدلالة على الحياة والوجود الدائم،  وعلى الخصب، وهي التي ترفع الحجار عن شفة الزمان، أي ستكشف القناع عن الزمان لكي ينطق بما كتبه الشاعر، والذي يقول له هلدرلن بأنّ عيونه الهابطة من جبل الدخان، أي المتعلّقة بتفاهة الأمور الدنيويّة وعدم جدواها، وإلى السعي وراء المجد الباطل، لتصبَّ في سدود الآخرين، أي عند الناس المتحجِّري القلوب الذين لا يُنْتِجون، لكن في الغد يجيء الرعد، والرعد هنا يرمز إلى السلطة الإلهيّة التي ستزرع الأرض فينبت بذار الخير والبركة، من خلال شعره. والذي يقول له للمرَّة الثالثة بأن وجوده معه هو انتظار، أي انتظار الناس وأملهم بأن تصير بلاد الشاعرين وطناً للشعر. وهنا، تأثّر رفقة بما قاله هلدرلن في حديثه عن مستقبل الشعر في كتابه الذي سبق وذكرنا بأنَّ رفقة نقل مختارات من شعره إلى العربيّة، ويقول:

تقول لي: عيونك الآتيه

بالأرض، بالثمار

سترفع الحجار

عن شقّة الزمان

تقول لي عيونك الهاويه

من جبل الدخان

إلى سدود الضّفه الثانيه

غداً يجيء الرعد، يا رفيقي

ويفرح البذار

تقول لي: وجودنا انتظار (المصدر نفسه، ص 97 – 98).

ويخاطب رفقة، في قصيدة “نعاس” الشاعر بأنّه سيغفو، أي سيطوى ذكره، حتّى تأتي البركة من عند الله كأنَّها جمر قدسيّ توقظ المشاعر بالنسيم العليل وتنهض الخصب والقوّة والعنفوان، وبأنّه سيبقى نغماً أو شعراً يحمل إلى الوادي، أي لأعماق الجهل والعدم الأخلاقيّ والحضاريّ النازفة، حتى يفرح قلبه بما أعطى، فيقول:

تحت أوراق كثيفه

سوف تغفو

أيُّها الشاعر، حتّى

تنحني الأيدي، فيأتي

من طقوس الله جمرٌ

قُدُسيٌّ

يوقظ الأشياء بالرّيح الخفيفه

ويسوّي

في خلايا الأرض

للأعياد صيفه

فإلى أن يفرح القلب، ستبقى

وتراً يحمل للوادي نزيفه (المصدر نفسه، ص 103 – 104)

ويرحل الشاعر إلى العالم الذي اشتهاه، في ديوانه الأخير “محدلة الموت وهمومٌ لا تنتهي”، بعد أن عبر من الضبابيّة في دواوينه السابقة، إلى النورانيّة، في “أنهار بريّة”، و”يوميَّات حطّاب”، و”سلّة الشيخ درويش” و”قصائد هندي أحمر”، و”جرّة السامري”، و”كاهن الوقت” و”قناديل في البحر”، و”عودة المراكب”، و”مرثيّة طائر القطا”، و”تمارين في الهايكو”.

ففي “محدلة الموت” تمنّى الشاعر أن يضع الموت نفسّه مكان الإنسان وأن يتخيّل نفسه جمجمة تحت المقصلة، أي الحكم المبرم. أفلا يصرخ الموت في وجه الشمس، رمز الحقيقة الإلهيّة مطالباً بالبقاء؟ فيقول:

لو يرى الموت

أنَّه الجمجمة

ألا يشتهي المقصلة؟

ألا يمدُّ الصراخ

حتّى جروف الغيب:

“تزنَّري بخاتم البقاء

يا شمسُ

يا عشيقة الفضاء؟” (الديوان، ص 1).

يخاطب الشاعر الموت سائلاً إيَّاه عمَّا يريده، فيردُّ الموت عليه آمراً إياه أن يُخلي المكان. ولكنّ الموت لم يسمح للشاعر بلحظة واحدة كي يجمع أمتعته أو يكتب وصيَّته أو أن يعترف، طبعاً بخطاياه. ثمَّ يكشف الموت عن قناعه، فإذا هو ضلوع جرداء أي هيكل عظميّ، يريد أن يلبس جسداً قد اختاره، فيرجوه الشاعر أن ينتظره كي ينهي قصَّته وما تبقَّى من حياته، ساعتئذ يهبُه جسده. ولم يأتِ الشاعر على ذكر الموت باسمه، إلا في آخر المقطع، فيقول:

من أنت؟

صاحبُ الأرض

ماذا تريد؟

أن تُخلي المكان

لمن؟

لمستأجرٍ آخر

هكذا، دون إنذار؟

كالجميع تتكلَّم

لحظةً وأجمع الأمتعة

لن تكون بحاجة إليها

وصيَّتي

تأخَّرتَ

لحظة الاعتراف

(فجأة ينزاح القناع)

ضلوع جرداء

لو تنتظر

فينتهي من قصَّةٍ

منها تبقَّى أحرف

فاصلةٌ

ونقطةٌ اخيرةٌ

لو تنتظر

يُهديك من قصَّتِه

ملحمةً

عن شاعرٍ

للصيدِ أسرى مرَّةً

ولم يَعُدْ

لو تنتظر دقيقةً

أو ساعةً

أو ساعتين

سنةً

يهدي إليكَ جسداً

من زمن ترمقه،

يا موتُ

يا محدلةً

لا تعرف الضجر (المصدر نفسه، ص 2 – 3 – 4)

وفي ذلك، لوم الشاعر وعتابه وانزعاجه من نهاية الإنسان على هذه الأرض.

ويتخيَّل الشاعر نفسه مُسجَّى في صلاة جنائزية ليقلعَ من هذه الأرض إلى ظلمة الموت، فيقول:

طقوسٌ جنائزية

ويُقلع الكفن

بين مدّ وجزر يتأرجح

يتقلَّص

نقطة

على شفير المدى

بياضٌ أسود (المصدر نفسه، ص 5).

ويخلص الشاعر إلى اعتبار ذكرى الأربعين رحلة الختام حيث تدور الأزمنة وتطوى صفحة كلِّ إنسان، وفي نظر الشاعر هي الذكرى الأخيرة التي يذكر فيها الإنسان فيقول:

في ذكرى الأربعين

قدّاس وابتهال

بعدها عجلات الشمس

حُمَّى النهار

والستار (المقدر نفسه، ص 5)

يشبِّه الشاهر الموت بوزير في مملكة المال، الذي لا يشيخ ويُجبي الضرائب وهو أبداً دقيق في مواعيده وعناوينه وحساباته، أي أنّه لا ينسى أحداً ولا يُخطئ أحداً، ولا بيت له، فهو في كل بيت. وقد شبَّهه الشاعر بمسمار ينخر في حجر هذا الجسد الإنسانيّ.

وفي نظره عندما يصدر الحكم بالموت ويُسمع صوت المطرقة تغزُّ المسمار في جسد إنسان مختار، أي ساعة إعلان الموت، عندئذ لا استئناف، ولا مجال لإعادة الحياة إلى الإنسان، فيقول:

من وزارة المال

في مملكةٍ

تحت أقبية الأرض

عاملٌ لا يشيخ،

أبداً

في حقيبةٍ لا تمتلئ

يُجبي الضرائب

أمينٌ

دقيقٌ في المواعيد

في العناوين

وفي علوم الحساب

لا بيتٌ له

وف يكل بيت

مسمارٌ في حجر

هذا الجسد،

لا يتحرَّك

لا يلهث

لا يتنفّس

لئلاّ باكراً يوقظ الجلاَّد

فيصدر الحكم

بعد ضربة المطرقة

لا محكمةٌ عُليا

ولا استئناف (المصدر نفسه، ص 7 – 8).

وها إن الشاعر قد توارى في المقبرة جسداً فوق أجساد سبقته إلى عالم الموت، وفوقها جميعها تزهر الورود وتسمق الأشجار، الأمر الذي يعنيه الشاعر هو أن الجسد فيه من تراب الأرض، لذلك يتفتَّح الربيع من هذه الأجساد الترابيّة، أي أن حياة ثانية تنتظر الإنسان بعد موت الجسد، وفي هذا المجال، يعبِّر الشاعر عن إيمانه بخلود النفس بعد فناء الجسد، فيقول:

في سياج المقبرة

كلَّ عام

يُشرق الورد وتعلو شجرة

فوق أجساد مضت

صارت لهاثاً

في جذوع مقمرة (المصدر نفسه، ص 9).

وفي أثناء شرود الشاعر وتأمُّلاته في الوجود وما بعده، يوقظه الموت ويهمس في مخيَّلته ليدلَّه إلى المكان الذي سبقه إليه كثيرون، حيث تُعرف حقيقة الحياة والوجود والحكمة الأزليّة، فيقول:

يحلم

كفنٌ يوقظه،

على مرتع مقمر

في رقّة يهمس:

“هناك

إلى وادي الملوك،

معهم تفرش المائدة

وفي كتاب الموت

تقرأ الحكمة” (المصدر نفسه، ص 10).

كذلك يشبِّه الشاعر الموت بمنجل أعمى، أي يحصد “خبط عشواء”، كما ورد عند الشاعر الجاهليّ زهير بن أبي سلمى. لكنَّ الشاعر يُبدي انزعاجه من فكرة الموت التي باتت هاجسه، ويعاتب الموت الذي كان بعيداً عنه، وصار أقرب للعين من البصر، فيقول:

أبعد من الأفق

ومن سديم الغيب

كنتَ البارحة،

واليوم

أقرب للعين من البصر

أيّها المنجل الأعمى

(صوت من جهة المدافن)

“أنت أعمى،

أبداً في الرأس

في الشريان

في بيت الجسد

يتمشَّى

كإله من سلالات الأبد

إنَّه الموت الأحاديُّ الأحد… (المصدر نفسه، ص 12).

وفي ختام “محدلة الموت”، يظهر الشاعر إنّه مؤمن بفكرة الانبعاث والقيامة التي جسَّدها أيَّما تجسيد يسوع المسيح القائم من بين الأموات. إذ، نرى الشاعر قد شبَّه نفسه بالمسيح، لأنَّه مؤمن بالقيامة وبعودته إلى الحياة الأبديّة، وبخلوده لأنّه يؤمن أن جسده يموت، لكنَّ شعره لا يموت، أي هو شاعر، خالد بشعره، فيتردَّد صداه عبر الناس الذين يحفظون ذكره إلى الأبد، فيقول:

حقيقةً كوني

أيَّتها العودة الأبدية،

أبديّاً يعود.

حقيقةً كوني

أيَّتها العودة الأبديّة،

إلى هذا المكان

أبديّاً يعود.

حقيقةً كوني

أيَّتها العودة الأبديّة،

إلى هذه اللحظة

أبديّاً يعود.

حقيقةً كوني

أيّتها العودة الأبدية،

يموت،

أبديّاً لا يموت.

ويروي أحد الرعاة أنّه في شروق اليوم الثالث شاهد فوق جبل الزيتون نسوراً تدور، وفي دوائرها صدى جوقة غير مرئيّة: هلّلويا، هلّلويا، مباركة أنتِ، أيَّتها العودة الأبديّة (المصدر نفسه، ص 14 – 15).

وفي قسم “هموم لا تنتهي”، بعد أن أدرك الشاعر موته وعاد إلى عالم الأبديّة، أي الخلود، نراه يواجه هموماً، وكأنَّ بالموت لا ينتهي شيءٌ، نسبة إليه، بل إنّه يؤمن بأنّ الحياة في استمرار وفي حركة دائمة تموت لتعود مجدَّداً.

هذا، وفي العودة إلى الوجود، هموم جديدةٌ لا تنتهي، وتقوم على تساؤلات عن الوجود. فيشبِّه الشاعرُ الهمومَ بثمرة تقطر باستمرار، فيتلهَّفها الشاعر ويطلقها أفكاراً هي تساؤلاته التي تسكنه طوال عمره، فيقول:

ثمرة

طائرٌ ينقرها

فتقطر،

تحتها فلاَّح الشِّعر

يمدُّ رجليه

يفرش المائدة (المصدر نفسه، ص 19).

ويعتقد الشاعر بوجود وردتين منذ البدايات، الوردة الأولى وهي وردة القمم، ترمز إلى الحبّ الصوفيّ وهي مرحلة الوعي والنضج والامتلاء من الحياة الروحيّة، والوردة الأخرى هي وردة الأغوار، وترمز إلى الحبّ الجسديّ والأهواء والتلهيّ بأمور الدنيا، فإذا بالشاعر يمرّ بالمرحلتين، فيقول:

معاً

منذ البدايات

في غفلةٍ من غبار الوقت

تتهامسان،

فتزهر الأرض،

رغيفاً يستدير الحجر:

وردةُ القمم

وردةُ الأغوار (المصدر نفسه، ص 19).

ويتخيّل الشاعر الوجود مغايراً لما نفقهه عنه، أي أنَّه تخيَّل الوجود بلا عناصر الطبيعة، فكيف يكون الوجود؟، فيقول:

لو النار غير النار

الهواء غير الهواء

ألماء غير الماء

ألتراب غير التراب:

كيف يكون الوجود

لو كان شيئاً آخر؟ (المصدر نفسه، ص 20).

بدا الشاعر مؤمناً بطريقة غير مباشرة بما شبَّه السيّد المسيح نفسه بالكرمة الحقيقيَّة. فإذا هو يرى الدالية مائدة الأبد، أي رمز الحياة الخصبة والخلود، فيقول:

من الشجرة؟

من سياج الحقل؟

من حجارة الجبل؟

من نجمة فوق الغيوم

هذا الرنين؟

مَنِ العازف؟

في طاسةٍ داكنةٍ

داليةٌ

عصيرها يقول للجسد

هنا استرح

في الغيبِ

في ثكيَّة الأبد:

عصيرها مائدة الأبد (المصدر نفسه، ص 22 – 23).

لا يزال الشاعر غائصاً في همومه، هي هموم تفوق تصوّراته وعقله، وقد بدا متعباً وخائفاً ويائساً بسببها؛ فهو يريد ان يعرف الحقيقة المتمثّلة بالشمس رمز المعرفة، فيقول:

مُتعَبٌ؟

“كدرب”

حزينٌ؟

“كدمعةٍ”

قلق؟

“كشاعر”

خائف؟

“كفريسة”

يائس؟

“كعاشق”

ماذا تنتظر؟

“الشمس، أيّها الصديق!” (المصدر نفسه، ص 25 – 26).

نرى الشاعر متأثّراً بقصّة الفردوس وما ترمز إليه شجرة المعرفة، فاعتبر شجرة المعرفة فخّاً اقتلعت بسببه الحياة، واعتبر ان الله هو الديَّان، فيقول:

شجيرتان:

واحدةٌ تحوشها المعرفة

واحدةٌ تموج بالحياة

أبقى لنا شجيرة المعرفة

مقصلةً

واقتلع الحياة

إلهُنا الدَّيان (المصدر نفسه، ص 29).

شبَّه الشاعر العالم بعصفوريّة، أي مصحّ مجانين، لا أبواب له، فيقول:

السادسة مساءً

حشودٌ في “الحمراء”

يتأمّلها:

عصفوريّة بلا أبواب

هذا العالم

يخاف،

إنّه بائع التذاكر

إلى المصحّ (المصدر نفسه، ص 35).

ويستمرّ الشاعر في تساؤلاته التي باتت همّاً كبيراً، إذ شبّه مستقبل الإنسان برمية نرد لا يعرف أيّ رقم يقع عليه، أيّ كيف يكون مصير كلّ إنسان. وأكثر من ذلك، يرى الشاعر ان الحياة مفاجآت وحظوظاً وصُدفاً، فيقول:

عادةً،

ما لا يجوز

لا يحدث

عادةً،

ما لا يجوز

يحدث

عادةً،

ما يجوز

لا يحدث

عادةً،

ما يجوز

يحدث

شلحةُ نردٍ

كارنيفال (المصدر نفسه، ص 38 – 39).

ويتساءل الشاعر عن الهدف من وسائل الاتّصالات الحديثة وعن نقصها، طالما الإنسان إلى زوال، فيقول:

لماذا الهاتف؟

لماذا البريد الإلكتروني؟

لماذا الفاكس؟

لماذا المواصلات والأقمار الصناعيَّة؟

مع جهات الأرض

كلّ مساء يتعشّى

إنّها العائلة. (المصدر نفسه، ص 42).

ويتخيّل الشاعر أن حياةً واحدة لا تكفي الإنسان، كي يحقّق كلَّ حلم، بل هو بحاجة إلى أكثر من حياة، فيقول:

إلى أين؟

إلى الكلمة

متى تصل؟

حياةٌ واحدة لا تكفي

ثانية؟ ثالثة؟ رابعة؟

أبدية (المصدر نفسه، ص 42).

ويتصوّر الشاعر أنّه إذا عاد إلى الحياة، فإنّه يعود إلى البؤس والهستيريا، وتستمرّ الحياة، مستوحياً، من الرسَّام الهولنديّ فان غوغ، لوحاته التي تضجُّ بالقوّة والحياة الدائمتين، فيقول:

إلى البؤس

أدنى من البؤس،

إلى الهستريا،

أدنى من الهستريا،

إلى الحفرة

أدنى من حفرة الحُفَر،

ويستمرّ

في حياةٍ تجيء

قطافُهُ الكبير:

فان غوغ (المصدر نفسه، ص 44).

يتمنّى الشاعر أن يبقى حيّاً في هذه الدنيا من خلال شعره المعجزة الذي يروي عنه عمق معرفته وهدايته، فيقول:

من غيابٍ

لو تعود الآلهة،

فيعود الشعر من منفاه،

في مرمى رياحٍ تائهة

كان يا ما كان

آلهةٌ

طبيعيةٌ

وبشَرٌ:

عائلةٌ واحدةٌ

في ذلك الزمان

أيّها الشعر الـمُصَفَّى

لرؤى الينبوع في دلفي أعِدْنا

معجزة!

يُفَلّي بحار الأرض

وأرض البحار

ولا يتعثَّر هذا الأعمى! (المصدر نفسه، ص 52 – 53).

يعتبر الشاعر لغة الشعر وحدها الخالدة؛ فهي تُضيء ملايين السنين بعد رحيله إلى المعارج الأخيرة على مركبة، من نار تأثُّراً بما حدث لإيليا النبيّ في الكتاب المقدّس العهد القديم الذي رُفع على مركبة ناريّة، فيقول:

ذرَّاتها

لغةٌ قديمة

تُضيء ملايين السنين

ليلةَ البارحة

كإشراقةٍ

على فِراشِهِ حطَّت

بالطِيب مسحت قدميهِ

وفي مركبةٍ من نار

إلى المعارج الأخيرة

سارا (المصدر نفسه، ص 56 – 57).

وإذا بالشاعر يلوم قصّة الخلق التي تخبر عن آدم وحوّاء بأنَّهما سبب هلاك البشر. فكان همُّه أن يرى طينة جديدة غير طينتهما، فيقول:

في البدء كان الطين

فكان الخلق:

“كل شيء حسن” عدا الجنّة:

شوكتان تبتلعان الورود

(آدم وحوّاء)

فأين المجرفة؟

أين الطينة الجديدة؟ (المصدر نفسه، ص58)

ويدرك الشاعر أن الطينة الحسنة هي ذلك الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن خرافه. وهنا تأكيد إيمان الشاعر بالسيِّد المسيح الذي افتدى البشر، فيقول:

إنّه الراعي الصالح

“والراعي الصالح يبذل نفسه

عن الخراف” (المصدر نفسه، ص 59).

لكنَّ الشاعر في نهاية ديوانه “محدلة الموت وهمومٌ لا تنتهي”، يتساءل مختتماً، أين الخراف وأين الرعاة في هذه الدنيا، فيصل إلى لغة الشعر التي هي الفصول الأربعة، وتالياً هي أساس الوجود أو لغة اللغات، فيقول:

فأين الخراف؟

وأين الرعاة؟

أبداً هذا الهمس

وهذا الإيماء

بين الأنسام والقصب:

حديثٌ مُشَفَّر

هديل الهواء

هسيسُ النار

نَفَس التراب

سقسقة الماء:

لغة الشعر

همسةٌ كونيّة

لغة اللغات (المصدر نفسه، ص 59 – 60).

ويقول الشاعر فؤاد رفقة، في كتابه “بيدر”: “في البدء كانت الكلمة” في أعمق أعماقها. الكلمة غير الحروف والحركات، الحروف والحركات وحدهما عبارة عن ألفاظ وأصوات. الحركات والحروف تصير كلمة عندما في جسدها تبيت الحقيقة وفيها تسكن وتبرق”.

ويضيف: “في المدَّة الأخيرة صار بيدر يعرف معنى أن تكون الكلمة كلمة، صار يعرف مخاطر الدروب إليها، صار يعرف أن بلوغها مستحيل عليه، صار يعرف أن همَّه الوحيد هو أن يكون في الاتّجاه الصحيح، صار يخاف الكلمة”، في أفق هذا الوجود وما بعد الوجود، فهل روت الكلمة الشعريّة عطشه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى