الأبحاثالمجلة

تدريس الأدب وأثره في تنمية مهارات التفكير النقديّ والإبداعيّ لدى طلاب المرحلة الثانويّة.

تدريس الأدب وأثره في تنمية مهارات التفكير النقديّ والإبداعيّ لدى طلاب المرحلة الثانويّة.

د. وائل جزيني

 

الملخص

يهدف هذا البحث إلى دراسة أثر تدريس الأدب في تنمية مهارات التفكير النقديّ والإبداعيّ لدى طلاّب المرحلة الثانويّة في لبنان، من خلال تحليل مضمون كتاب اللّغة العربيّة للصفّ العاشر الأساسيّ. وقد اعتمد البحث المنهج النوعيّ التحليليّ، مرتكزاً على أدوات تحليل المحتوى ومؤّشرات التفكير العليا كما طوّرها Ennis وTorrance.

كشفت النتائج أنّ النصوص الأدبيّة الرسميّة تتّسم بثراء معرفيّ وإنسانيّ، إلّا أنّ الأنشطة التعليميّة المرافقة لها غالباً ما تفتقر إلى العمق الفكريّ والتأويليّ؛ فمعظم الأسئلة تركّز على التذكّر والفهم، في حين تغيب الاستراتيجيّات التي تحفّز التحليل، النقد، أو الإبداع.

يشدّد البحث على ضرورة إعادة تصميم الأنشطة التعلّيمية وتدريب المعلّمين على توظيف النصوص الأدبيّة كمجالات فكريّة مفتوحة. كما يقترح اعتماد مقاربات تفاعليّة مثل الحوار السقراطيّ، والعصف الذهنيّ، والكتابة الإبداعيّة، لجعل الصف الأدبيّ مساحةً للتفكير الحر والابتكار.

الكلمات المفتاحيّة

الأدب، التفكير النقديّ، التفكير الإبداعيّ، المرحلة الثانويّة، المناهج التربويّة.

 

Abstract

This study investigates the impact of literature instruction on the development of critical and creative thinking skills among Lebanese secondary school students. It analyzes the content of the official Grade 10 Arabic language textbook using a qualitative analytical approach based on content analysis and high-order thinking indicators proposed by Ennis and Torrance.

Findings reveal that while the selected literary texts are thematically rich and educationally valuable, the accompanying activities often fail to stimulate deep reasoning or creative engagement. Most questions emphasize recall and comprehension, with limited opportunities for interpretation, critique, or originality.

The study recommends redesigning learning activities and training teachers to use literature as a dynamic space for intellectual exploration. It also advocates for the integration of interactive methods such as Socratic dialogue, brainstorming, and creative writing to foster critical awareness and innovation in the classroom.

Keywords
Literature, Critical Thinking, Creative Thinking, Secondary Education, .Educational Curriculum

 

المقدمة

يشهد الفكر التربويّ المعاصر تحوّلات عميقة تتجاوز الأدوار التقليديّة للمؤسّسة التعليميّة بوصفها ناقلاً للمعرفة، نحو اعتبارها فضاءً لإنتاج المعنى وتكوين الذات القادرة على التفكير النقديّ والإبداعي (Darling-Hammond et al. 2009)., فقد بات تعزيز مهارات التفكير من أولويات الأنظمة التعليمية التي تسعى إلى إعداد جيل قادر على التفاعل الواعي مع تحديات القرن الحادي والعشرين، ومواكبة التحولات العلمية والثقافية والاقتصادية المتسارعة (Trilling & Fadel, 2009).

ضمن هذا السياق، يكتسب تدريس الأدب أهمّيّة متجددة، لا بصفته نشاطاً لغويّاً جماليّاً فحسب، بل كأداة تربويّة قادرة على تشكيل الذوق، وتحفيز التأمّل، وإطلاق التفكير. فالأدب، بما يحتويه من مضامين رمزيّة ومواقف إنسانيّة، يُتيح للقارئ فرصاً للتفاعل مع العالم عبر التخييل والتأويل والمساءلة (Rosenblatt, 1995). إنّه فضاء تربويّ متعدّد الأبعاد يدمج بين الحسّ الجماليّ والبُعد النقديّ، ويفتح أمام المتعلّم نوافذ لفهم الذات والآخر، ومساءلة المسلّمات، وتوليد تصوّرات جديدة (Nussbaum, 1997)..

لكن، وعلى الرغم من هذه الإمكانات، تُظهر الممارسة التربويّة الراهنة – في لبنان كما في العديد من السياقات العربيّة – أنّ الأدب غالباً ما يُقدَّم للطلاب ضمن مقاربة تقليديّة تُركّز على التفسير الأحاديّ، والاستظهار، وتحليل الشكل بدلاً من استثارة المعنى، مما يحدّ من قدرته على تنمية التفكير التحليلي والإبداعي (Al-Mahrooqi & Roscoe, 2012).

انطلاقاً من ذلك، يهدف هذا البحث إلى تحليل كيفيّة إسهام تدريس النصوص الأدبيّة في تنمية مهارات التفكير النقديّ والإبداعيّ لدى طلاّب المرحلة الثانويّة في لبنان، وذلك من خلال تحليل مضمون كتاب اللّغة العربيّة للصفّ العاشر الأساسيّ، ومقابلة مجموعة من المعلّمين الفاعلين في الميدان التربويّ.

إشكاليّة البحث

في ضوء ما سبق، تتحدد الإشكاليّة الرئيسة لهذا البحث على النحو الآتي: كيف يُسهم تدريس الأدب في تنمية مهارات التفكير النقديّ والإبداعيّ لدى طلّاب المرحلة الثانويّة في لبنان؟

وتنبثق من هذه الإشكاليّة تساؤلات فرعيّة، من أبرزها:

  • ما هي العلاقة بين طبيعة النصّ الأدبيّ وقدرته على تحفيز مهارات التفكير العليا؟
  • ما مدى توافر مؤشّرات التفكير النقديّ والإبداعيّ في مضامين وأنشطة كتاب اللّغة العربيّة للصفّ العاشر؟
  • ما أبرز نقاط القوّة والقصور في آليّات تدريس الأدب كما تعكسها الأنشطة الرسميّة؟

 

أهداف البحث

يسعى هذا البحث إلى تحقيق الأهداف الآتية:

  1. تحليل العلاقة بين النصّ الأدبيّ ومهارات التفكير النقديّ والإبداعيّ: من خلال استعراض الأدبيّات التربويّة والنفسيّة التي تربط الأدب بالعمليّات العقليّة العليا، وبناء إطار نظريّ يُوجّه التحليل.
  2. تحليل مضمون كتاب اللّغة العربيّة للصفّ العاشر الأساسيّ في لبنان: بهدف الكشف عن مدى تضمّن النصوص والأنشطة لمكونات تُحفّز التفكير النقديّ (كالتفسير والتحليل والتقييم) والتفكير الإبداعيّ (كالمرونة والطلاقة وإعادة البناء).
  3. اقتراح آليّات لتحسين طرائق تدريس الأدب: بما يضمن الانتقال من التعليم القائم على التلّقي إلى تعليم يُنمّي مهارات التفكير، من خلال أنشطة تفاعليّة، وأسئلة تحليليّة، ومشاريع تعلّم متمركزة حول الطالب.

 

فرضيّات البحث

استناداً إلى ما طُرح، يفترض البحث ما يلي:

  1. الفرضيّة الأولى: إنّ تدريس الأدب يُمكن أن يسهم في تنمية مهارات التفكير النقديّ لدى طلاب المرحلة الثانويّة، وبخاصّة إذا ما ارتكز على مقاربات تحليليّة وتأويليّة، وتوظيف أسئلة تُحفّز المقارنة، والتفسير، وبناء الأحكام.
  2. الفرضيّة الثانية: تحتوي المقررات الأدبيّة الرسميّة – ولا سيّما كتاب الصفّ العاشر – على إمكانات تربويّة وفكريّة غنية يُمكن توظيفها لتنمية التفكير الإبداعي، وذلك من خلال أنشطة تُشجّع إنتاج أفكار جديدة، وتحفّز التخيّل وإعادة البناء.
  3. الفرضيّة الثالثة : الأنشطة الحالية المعتمدة في الكتب الرسميّة غالباً ما تُركّز على المستويات الدنيا من التفكير، ممّا يجعل من الضروريّ إعادة تصميمها بما يتوافق مع مستويات بلوم العليا، وتفعيل استراتيجيّات التعلّم النشط والتفكير العميق.

منهجيّة البحث

اعتمد هذا البحث على المنهج النوعيّ التحليليّ، بهدف الكشف عن دور تدريس الأدب في تنمية مهارات التفكير النقديّ والإبداعيّ لدى طلاب المرحلة الثانويّة. وقد تمّ الجمع بين تحليل المحتوى الأدبيّ والبيانات الميدانيّة النوعية المستخلصة من مقابلات شبه منظّمة أُجريت مع عدد من معلّمي اللّغة العربيّة في مدارس ثانويّة رسميّة وخاصّة في لبنان.

تم اختيار عينّة قصديّة من ثمانية معلّمين ومعلّمات لديهم خبرة لا تقلّ عن خمس سنوات في تدريس الأدب للمرحلة الثانويّة، وذلك بهدف ضمان تنوّع الخلفيات التربويّة والاطلّاع على ممارسات متنوّعة. وقد تمّت المقابلات وجهاً لوجه، وتركّزت حول محاور محددة، أبرزها:

  • تصوّرات المعلّمين لدور الأدب في تنمية التفكير النقديّ والإبداعيّ.
  • أمثلة واقعية على طرائق تدريس الأدب التي حفّزت التفكير المتقدّم لدى الطلاب.
  • تقييم المعلّمين لفعالية الأنشطة الرسميّة الواردة في الكتاب المدرسيّ.
  • اقتراحات المعلّمين لتطوير المضمون والطريقة.

كما تم استخدام بطاقة تحليل محتوى للنصوص والأنشطة الأدبيّة في كتاب الصفّ العاشر، بالاستناد إلى مؤشرات التفكير النقديّ (Ennis, 1985) والتفكير الإبداعيّ (Torrance, 1974)، مما أتاح الربط بين المعطى الرسمّي المدوّن، والمعطى الميدانيّ المعبّر عن الواقع التربويّ.

 

الإطار النظريّ

يستند هذا البحث إلى إطار مفاهيميّ يربط بين تدريس الأدب كأداة تربويّة، وتنمية مهارات التفكير النقديّ والإبداعيّ بوصفها أهدافاً مركزيّة في التربيّة الحديثّة. ويقوم هذا الإطار على أربعة مرتكزات أساسية:

  1. الأدب كوسيط تربويّ: يُسهم الأدب في تنمية الأبعاد الأخلاقيّة والوجدانيّة والمعرفيّة للمتعلّمين. ترى Rosenblatt (1995) أن القارئ يُنتج المعنى من خلال تفاعله مع النصّ، بينما يرى Bruner (1986) أنّ البُنى السرديّة تُساعد في تنظيم الخبرة وتعزيز التحليل.
  2. التفكير النقديّ: يُعرّف Ennis (1985) التفكير النقدي بأنه القدرة على التحليل واتخاذ قرارات منطقيّة مبنية على أدّلة. يؤكد Paul وElder (2006) أنّ هذا التفكير مهارة تُكتسب بالتدريب وتتطلب بيئة تعليميّة محفّزة. الأدب، في هذا السياق، يمثل أداة فعّالة للتدريب على التأمّل والتحليل.
  3. التفكير الإبداعي: وفق Guilford (1967)، يتضمن التفكير الإبداعيّ الطلاقة والمرونة والأصالة، ويؤكد Torrance (1974) إمكانية تدريبه من خلال أنشطة أدبيّة منفتحة، كتخيّل النهايات، وإعادة الكتابة، وتمثيل المشاهد من ممارسات تُنمّي هذا النوع من التفكير.
  4. العلاقة بين النص والتفكير: يُحفّز النص الأدبي عمليات التأويل وبناء المعنى، ما يستدعي تفعيل مهارات التفكير العليا. يشير Vygotsky (1978) إلى دور النصّ في تشكيل مناطق النمو القريبة، بينما يرى Dewey (1938) أن التفاعل مع القضايا الأخلاقيّة يعزّز التفكير التأمّليّ.

وقد أشار فاضل (2015) إلى ضعف التركيز على التحليل والابتكار في مناهج العربيّة، مما يدعو إلى إعادة تصميم الأنشطة التعليميّة. ويؤكد عزام (2004) أهمية المقاربة الوظيفيّة في تعزيز التفكير من خلال التركيز على أبعاد النص التربويّة. كما تمّ اعتماد كتاب الصفّ العاشر (المركز التربويّ للبحوث والإنماء، 2020) كمصدر أساسيّ للتحليل، لاستكشاف مدى انسجامه مع معايير التفكير العليا كما صاغها Ennis (1985) وTorrance (1974).

 

التحليل والمناقشة

أوّلاً: تحليل مضمون الكتاب المدرسيّ

أظهرت نتائج تحليل مضمون كتاب اللّغة العربيّة للصفّ العاشر الأساسيّ في لبنان أنّ النصوص الأدبيّة المقرّرة تتّسم بثراء لغويّ وفكريّ واضح، وتتنوّع بين نصوص تراثيّة ومعاصرة تتناول قضايا إنسانيّة واجتماعيّة وجدانيّة متعدّدة. هذا التنوع يُشكّل من حيث المبدأ بيئة تعليميّة خصبة لتنمية مهارات التفكير العليا، ويؤكّد ما ذهبت إليه Rosenblatt (1995)  حين عدت أنّ التفاعل مع النصوص الأدبيّة يُشكّل تجربة عقليّة وجدانيّة معقدَّة تسمح للمتعلّمين بتوسيع أفقهم التأويليّ والانفعاليّ. وأ ظهر تحليل مضمون النصوص أنّ بعض النصوص المختارة، مثل “اللّاجئ”، تتناول قضايا وجوديّة وإنسانيّة قابلة للتحليل النقدّي، لكنها تُقدّم غالباً ضمن مقاربة تلقينيّة تحدّ من تفاعل الطالب مع مضامينها. كما أظهرت مقابلات المعلّمين أنّ العديد منهم يشعرون بأنّ الكتاب لا يوفّر أدوات حقيقيّة لتفعيل التفكير، وأنّ الأسئلة المرافقة لا تتجاوز في معظمها مستوى الفهم والاستيعاب. وقد عبّر بعضهم عن محاولاتهم الشخصيّة لتطوير أنشطة موازية تدمج الكتابة الحرّة أو النقاش، لكنها لا تجد دعماً مؤسسيّاً كافيَّا.

من جهة أخرى، بيّن التحليل أن غياب التعليم التأويلي والأنشطة المفتوحة يجعل فرص التفكير النقدّي والإبداعيّ محدودة، بالرغم من أنّ النصوص نفسها تتضمّن مضامين قابلة للتحليل الرمزيّ والشخصيّ، وهو ما يتقاطع مع ما أشار إليه الجابري (1990) حول ضرورة إحياء البعد العقلانيّ والرمزيّ في الثقافة العربيّة.

غير أنّ التحدّي لا يكمن في النصوص بحدّ ذاتها، بل في كيفية توظيفها ضمن العمليّة التعليمية. إذ أظهر التحليل أنّ الغالبيّة الساحقة من النصوص تُقدَّم في سياق تعليميّ تقليديّ، يرتكز على الفهم السطحيّ والتذكّر، ويغيب عنه التوظيف التأويليّ أو الجدليّ الذي يُعدّ شرطاً أساسيَّا لبناء تفكير نقديّ. فعلى سبيل المثال، تُعدّ قصيدة “بعد النكبة” نموذجاً غنياً لتحفيز النقاش حول الهويّة والانتماء والمنفى، إلّا أنّها في الكتاب تُقدَّم ضمن إطار لغويّ صرف، ولا تُوظّف لإثارة نقاشات فكريّة أو وجدانيّة كما ينبغي.

تحليل طبيعة الأنشطة: ضياع الفرصة البيداغوجية

أمّا على مستوى الأنشطة، فقد بيّنت النتائج أنّ الأسئلة المرافقة للنصوص تركّز بشكل شبه حصرّي على المستويين الأّول والثاني من تصنيف بلوم (Bloom’s Taxonomy)، أي:  المعرفة والفهم، في حين تكاد تغيب الأنشطة التي تحفّز مهارات مثل: التحليل، التقييم، أو الإبداع، والتي تمثّل المستويات العليا ضمن السُلّم المعرفيّ (Anderson & Krathwohl, 2001).  فمعظم الأسئلة تُصاغ على شكل: “استخرج فكرة النصّ”، أو “فسّر معنى العبارة”، أو “ما الغرض من البيت الشعري؟”، دون أن تُفسح في المجال أمام الطالب للتأويل، أو النقد، أو إعادة البناء.

وتكمن الخطورة هنا في أنّ التعليم القائم على هذه الأنماط السطحيّة يعزّز ما يسمّيه Dewey (1933) ” التفكير العفويّ”، مقابل ما يدعوه “بالتفكير التّأمليّ” الذي يُبنى على الوعي بالمشكلة، وتحليلها، واختيار أنسب الحلول لها. فالمتعلّم لا يُمنح الفرصة لتطوير صوت فكريّ خاصّ، بل يتحوّل إلى متلق لنماذج جاهزة من التأويل والمعنى.

غياب مؤّشرات التفكير النقدّي: تعلّم دون مساءلة

تشير مؤّشرات التفكير النقدّي كما وضعها Ennis (1985) إلى ضرورة تدريب الطالب على التمييز بين الرأي والحقيقة، وتحليل الأسباب والنتائج، وصياغة استنتاجات منطقيّة. ومع ذلك، أظهر تحليل المحتوى أنّ مثل هذه المؤشّرات لا تظهر بشكل مباشر في الأنشطة المرافقة للنصوص. فلا نجد مثلاً سؤالاً يطلب من الطالب مناقشة موقف شخصيّة ما في ضوء معايير أخلاقيّة، أو تقييم حُجّة بلاغيّة ضمن سياقها، أو المقارنة بين رؤيتين متعارضتين في نصّين أدبييّن.

وهذا الغياب يُفقد العمليّة التعليميّة وظيفتها التكوينيّة، ويجعل من دراسة الأدب تمريناً على الحفظ بدل أن تكون تدريباً على التفكير. إنّ عدم تفعيل التفكير النقديّ داخل الصفّ لا يُنتج طلاباً قادرين على النقاش واتّخاذ المواقف الواعية، بل طلاباً يستظهرون المعلومات دون امتلاك القدرة على مساءلتها.

ضعف فرص الإبداع: النصّ ثابت والطالب غائب

والجدير بالذكر في المقابل، فإنّ فرص تنمية التفكير الإبداعيّ – كما عرّفه Guilford (1967) وTorrance (1974) – من خلال هذه النصوص تكاد تكون معدومة، فلا وجود لأنشطة تطلب من الطالب إعادة كتابة النّص من زاوية مغايرة، أو كتابة نهاية بديلة، أو كتابة رسالة من إحدى الشخصيات الأدبيّة إلى القارئ، أو حتى تصميم مشهد مسرحي مستوحى من النصّ وغيرها من الأنشطة الممكنة. وهذا يتعارض مع المبادئ الأساسية لتعليم الأدب بوصفه أداة لبناء الخيال والابتكار.

إنّ التفكير الإبداعيّ لا يُبنى على تلقّي الإجابات، بل على إنتاجها، أي على الفعل الذهنيّ الذي يسمح بتجاوز المألوف، وخلق علاقات جديدة بين عناصر النصّ، وتوليد أفكار أصيلة. وغياب هذا البُعد يعني أنّ الطالب يُدرَّب على “قراءة” الأدب لا على “الكتابة” بالأدب، وهذا خلل بنيويّ في المقاربة التربويّة المعتمدة.

ضعف التوظيفّ التربويّ للنصّ الأدبيّ: المقاربة الغائبة

أظهرت الأدبيات التربويّة المعاصرة، ومنها أعمال Paul و Elder (2006)، أنّ تعزيز التفكير النقديّ والإبداعيّ يتطلّب بيئة تعليميّة قائمة على الحوار والمساءلة والتجريب،  كما أنّ المقاربات النشطة مثل:

  • المناقشة السقراطيّة  (Socratic Dialogue)
  • العصف الذهنيّ  (Brainstorming)
  • التمثيل الدراميّ (Role Play)
  • تُسهم في تفعيل النصّ الأدبيّ في الصفّ وتحويله إلى تجربة معرفيّة حيّة، بدل أن يظلّ معزولاً في إطار لغويّ أو بلاغيّ جاف.

إلّا أنّ هذه الطرائق تكاد تكون غائبة تماماً عن الكتاب المدرسيّ قيد التحليل، سواء في شكل الأنشطة أو في التوجيهات المضمّنة. وهذا ما يُضيّع فرصة استخدام الأدب كأداة تعليميّة لتكوين “الخيال التأويليّ” الذي يُعدّ أساس التفكير المتقدّم(Nussbaum, 1997).

ثانياً: نتائج المقابلات مع المعلّمين

أظهرت البيانات الميدانيّة المستخلصة من مقابلات المعلّمين قدراً كبيراً من الوعي النقدّي لدى المعلّمين بدور الأدب في تنمية التفكير. فقد أكّد معظم المشاركين أنّ تدريس الأدب يُشكّل فرصة حقيقية لتحفيز التفكير النقدّي والإبداعيّ، لكن هذا الدور يبقى “مُقيّداً بالمناهج الجامدة وتقاليد التقييم الشكليّ”، على حدّ تعبير أحدهم.

أبرز ملاحظات المعلّمين:

  • الأنشطة المعتمدة في الكتاب غالباً ما “تقتل روح النصّ”، لأنّها لا تدعو إلى التفكر أو التأويل أو الحوار.
  • بعض المعلّمين يُعدّ الأسئلة المرافقة “جاهزة للإجابة ومحدودة الأفق”.
  • هناك رغبة صريحة لدى المعلّمين في إعادة إعداد وبناء المناهج؛ لتصبح أكثر انفتاحاً وارتباطاً بحياة المتعلّم.

نماذج من الممارسات التربويّة البديلة (ذكرها المعلّمون):

  • تحويل النصّ إلى نقاش جماعيّ مفتوح حول قضايا فلسفيّة أو قيميّة.
  • تقنيّات “كتابة تفاعليّة”، حيث يُطلب من المتعلّمين كتابة نهاية مختلفة أو رسالة من شخصيّة إلى أخرى.
  • تقمّص الأدوار أو تقديم نصوصهم الخاصّة المستلهمة من النصّ الأدبيّ.

تحليل تقاطعيّ بين النصّ والميدان

أظهرت المقارنة بين تحليل النصوص الرسميّة ومعطيات الميدان أنّ هناك انفصالاً بين “إمكانات النصّ” و”آليات التقديم”؛ فبينما تمتلك النصوص ثراءً دلاليَّا ومعرفيّاً يسمح بتوليد تفكير عميق، بيد أنّ طريقة طرحها في الكتاب تعيق هذا التفاعل.

وقد كشف المعلّمون أنّ قدرتهم على تجاوز هذه الحدود مرتبطة بـ:

  • الخبرة المهنيّة.
  • حريّة تربويّة نسبيّة داخل الصف.
  • غياب التقييد التامّ بامتحانات رسميّة تُحدّد مسار التعلّم.

يتقاطع التحليلان – النصّيّ والميدانيّ – عند نقطة مركزيّة : تدريس الأدب لا يمكن أن يُسهم فعليَّا في تنميّة التفكير النقدّي والإبداعيّ إلّا عندما يُقدّم ضمن مقاربة تربويّة حواريّة تفاعليّة وإن التفاعل مع النصوص لا يتحقّق بطرح الأسئلة الإجرائيّة المغلقة، بل بصناعة مواقف تعليميّة تُثير التأمل والتساؤل، وتشجع الطّلاب على بناء مواقفهم وفهمهم الخاصّ.

الخاتمة: من الإشكاليّة إلى الفعل التربويّ

جاء هذا البحث استجابةً لحاجة ملحّة في المشهد التربويّ اللّبنانيّ إلى إعادة النظر في وظيفة تدريس الأدب في المرحلة الثانويّة، ليس كمجرد تمرين لغويّ، بل كرافعة لتكوين الوعيّ وبناء قدرات التفكير النقديّ والإبداعيّ. وقد انطلقت الإشكاليّة من تساؤل جوهريّ: هل يسُهم تدريس الأدب فعلاً في تنمية مهارات التفكير العليا لدى الطلاّب؟ وإذا كان الجواب نعم، فما الشروط التي تجعل هذا الإسهام ممكناً وفعّالاً؟

لقد بيّنت المعالجة النظريّة، المدعّمة بتحليل محتوى كتاب الصفّ العاشر الرسميّ، بالإضافة إلى المقابلات شبه الموجهة مع عينة من المعلّمين، أن الإمكانات الفكريّة الكامنة في النصوص الأدبيّة موجودة بالفعل، لكنّها غير مفعّلة بالشكل الأمثل، فالتحليل أظهر أن أغلب الأنشطة التعليمية لا تتجاوز المستويات الدنيا من التفكير، وأنّها لا تُحفّز الطالب على التأويل، أو بناء موقف، أو توليد معنى. كما كشفت المقابلات عن وعي كامن لدى المعلّمين بقيمة الأدب كوسيط فكريّ، يقابله افتقار إلى الأدوات والمقاربات البيداغوجيّة التي تتيح توظيف هذه الإمكانات داخل الصفّ.

وفي ضوء هذه النتائج، أمكن معالجة الفرضيّات الثلاث كالتالي:

  • الفرضيّة الأولى (تدريس الأدب يسهم في التفكير النقديّ): ثَبُتَ صدقها جزئيّاً، حيث أنّ الأدب يحمل هذه الإمكانيّة، لكنّها تتحقق فقط في حال وُظّف بأسلوب تفاعليّ يقوم على التأويل والنقاش والربط بالواقع.
  • الفرضيّة الثانية (النصوص الرسميّة تحتوي على إمكانات إبداعيّة): ثبتت صحّتها، إذ تضمّ النصوص موضوعات إنسانيّة معقّدة قابلة لإثارة التخيّل، لكنّ طريقة تقديمها تقف حاجزاً أمام تفعيل هذه الإمكانات.
  • الفرضيّة الثالثة (الأنشطة الحاليّة تعاني من القصور): تأكّدت بقوة من خلال تحليل الأنشطة التي تُقدَّم للطلاّب، والتي يغلب عليها طابع الحفظ والتفسير القاعديّ.

توصيات علميّة وعمليّة

في ضوء ما تقدّم، يُوصي هذا البحث بجملة من الإجراءات القابلة للتطبيق:

  1. تحويل النصّ الأدبيّ إلى محفّز للتفكير، لا موضوعاً للحفظ

من خلال إعادة بناء الأنشطة التعليميّة بحيث تطرح أسئلة مفتوحة، وتدع مجالاً لتعدّد التأويلات وتكوين الرأي النقديّ.

  1. إعداد دليل تربويّ خاصّ لتدريس الأدب بتنمية التفكير

يتضمّن نماذج لأنشطة تحليل وتأويل، ومهامّ كتابيّة تعبيريّة، وأساليب توجيه النقاش داخل الصفّ، مستنداً إلى نظريات حديثة مثل: “البنائيّة الاجتماعيّة” و”التعلّم بالمشاريع” و”التلقي التفاعلي” و”المقاربة التأويلية”.

  1. تنظيم دورات تدريبيّة عمليّة للمعلّمين

تركّز على طرق دمج مهارات التفكير في تحليل النصوص الأدبيّة، باستخدام استراتيجيات مثل: المناقشة السقراطيّة، العصف الذهني الأدبي،ّ والمحاكاة الدراميّة للنصوص.

  1. دمج مهارات الكتابة الإبداعيّة في تدريس النصوص

كتقنيّات إعادة الصياغة، كتابة نهايات بديلة، إعداد محاكمة أدبيّة لشخصيّات، أو كتابة رسائل من منظور إحدى الشخصيّات.

  1. إصلاح التقويم الأدبي ليُقيس التفكير لا الاستظهار

عبر إعداد مهمات وأسئلة تقويمية تعتمد على الموقف والرأي الشخصي، وتُقيّم قدرة الطالب على التأويل، الربط، التخيّل، لا على مجرد استرجاع المعنى الظاهري.

  1. منح المعلّمين مرونة بيداغوجية لتعديل الأنشطة بما يناسب صفوفهم

وتشجيعهم على تطوير وسائلهم الخاصّة لتوظيف النصّ الأدبيّ بما يتماشى مع خصائص المتعلّمين، بعيداً عن الالتزام الحرفيّ بأسئلة الكتاب المدرسيّ.

بهذا الشكل، لا يكتفي البحث بتشخيص الخلل، بل يفتح أفقاً لإعادة توظيف الأدب في المدرسة بوصفه أداة لبناء فكر ناقد وخيال مبدع. فحين يتحوّل الصفّ الأدبيّ إلى مشغل و فضاء مفتوح للسؤال، والحوار، والتأويل، يمكن للمتعلّمين أن يُعيدوا اكتشاف ذواتهم والعالم من خلال الكلمة.

 

المصادر والمراجع

المراجع العربيّة

  • الجابري، محمد عابد. (1990). العقل الأخلاقي العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
  • المركز التربوي للبحوث والإنماء. (2020). كتاب اللغة العربية – الصف العاشر الأساسي. بيروت: وزارة التربية والتعليم العالي.
  • عزام، نبيل. (2004). تدريس الأدب في المرحلة الثانوية: مقاربة وظيفية. المجلة التربوية العربية، 12(1)، 45–67.
  • فاضل، عبد الرحمن. (2015). تنمية مهارات التفكير النقدي والإبداعي في مناهج اللغة العربية. مجلة كلية التربية – جامعة عين شمس، 39(3)، 211–238.

 

المراجع الأجنبية

 

  • Al-Mahrooqi, R., & Roscoe, A. (2012). Enhancing critical thinking through literary texts in EFL classrooms: A case study from Oman. Theory and Practice in Language Studies, 2(3), 423–431.
  • Anderson, L. W., & Krathwohl, D. R. (Eds.). (2001). A taxonomy for learning, teaching, and assessing: A revision of Bloom’s taxonomy of educational objectives. Longman.
  • Bruner, J. (1986). Actual minds, possible worlds. Harvard University Press.
  • Dewey, J. (1938). Experience and education. Macmillan.
  • Ennis, R. H. (1985). A logical basis for measuring critical thinking skills. Educational Leadership, 43(2), 44–48.
  • Guilford, J. P. (1967). The nature of human intelligence. McGraw-Hill.
  • Nussbaum, M. C. (1997). Cultivating humanity: A classical defense of reform in liberal education. Harvard University Press.
  • Paul, R., & Elder, L. (2006). Critical thinking: Tools for taking charge of your learning and your life (2nd ed.). Pearson Prentice Hall.
  • Rosenblatt, L. M. (1995). Literature as exploration (5th ed.). Modern Language Association.
  • Torrance, E. P. (1974). Torrance tests of creative thinking: Norms-technical manual. Scholastic Testing Service.
  • Vygotsky, L. S. (1978). Mind in society: The development of higher psychological processes. Harvard University Press.

الملاحق

أدوات تحليل المحتوى ومؤشّرات التفكير العليا

أولاً: أداة تحليل المحتوى النوعي للنصوص الأدبيّة

تم تطوير أداة تحليل المحتوى بالاستناد إلى أبعاد نفسيّة واجتماعيّة وقيميّة، مع اعتماد مؤشرات نوعيّة وكميّة.

تُستخدم الأداة لتحليل النصوص وفق المحاور التالية:

(الموضوع الرئيس للنصّ): وجدانيّ، اجتماعيّ، أخلاقيّ، ذاتيّ، خياليّ…

(نوعيّة الشخصيّات): رمزيّة، حقيقيّة، واقعيّة، خياليّة، مفارِقة، نامية…

(القيم الظاهرة): العدالة، الحريّة، التعاون، الصدق، التسامح…

(طبيعة العلاقة بين الشخصيّات): صراع، تفاهم، دعم، تفاعل، عزلة…

(نوع الأنشطة المرافقة): تحليل، تلخيص، نقد، إبداع، نقاش…

(اللّغة المستخدمة): مجاز، رمزية، توصيف نفسيّ، واقعيّة مباشرة…

(إمكانيّة التماهي أو التقمص العاطفيّ): عالية، متوسّطة، ضعيفة…

(ارتباط النصّ بسياق المتعلّم): مرتبط بواقع الحياة- مرتبط بالبيئة الاجتماعيّة-  لا علاقة واضحة.

ثانياً: مؤشّرات التفكير النقديّ بحسب Ennis

حدّد روبرت إنس (Ennis, 1996) مجموعة من المؤشّرات التي يمكن اعتمادها لرصد التفكير النقديّ لدى المتعلّمين في سياق النصوص الأدبيّة، وتشمل: توضيح المعاني وتحليلها، التمييز بين الرأي والحقيقة، تقديم المبرّرات والأدلّة، الكشف عن الافتراضات الضمنيّة، تقييم صدقيّة المصادر والمواقف، اتّخاذ موقف منطقيّ قائم على الدليل، التعامل مع وجهات نظر متعارضة.

ثالثاً:  مؤشرات التفكير الإبداعي بحسب Torrance

طوّر تورانس (Torrance, 1974) مقاربة لقياس التفكير الإبداعي تضم أربعة أبعاد أساسية، يمكن استثمارها في تحليل أنشطة النصوص الأدبيّة:

1- الطلاقة: القدرة على إنتاج أكبر عدد من الأفكار.

2- المرونة: القدرة على التنقل بين أنماط تفكير متنوعة.

3- الأصالة: إنتاج أفكار جديدة وغير مألوفة.

4- الإثراء/ التفاصيل: تطوير الفكرة بإضافة عناصر توضّحها وتعززها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى