الأبحاثالمجلة

قراءة في قصّة “قول” القصيرة جدّاً للقاصّ السّعوديّ حسن علي البطران

قراءة في قصّة “قول” القصيرة جدّاً للقاصّ السّعوديّ حسن علي البطران

أ. منيرة جهاد الحجّار

 

في عصر اشتدّ فيه بريق السّرعة، كان لا بدّ للأدب أن يتماشى معه ليحقّق رغبة القارئ العصريّ الّذي يخضع لسلطة العالم التّكنولوجيّ ووسائل التّواصل الافتراضيّة، فكانت القصّة الوجيزة (ق.ق.ج) الّتي من سماتها “الكثافة، والإيجاز، والإيحاء، وطاقة المفردة، ونموّ الأفعال، وفتح آفاق التّخيّل، وعمق الصّورة عبر كسر أنماط الحواس…” (صالح، 2022، ص31)، وإنّها “لا تشترط توافرها بأكملها في القصّة نفسها، إنّما يمكن أن تركّز على عنصر منها أو على عناصر عدّة، وما يهمّ هو التّكثيف والإيجاز، والأهم هو قيامها على مبدأ الإدهاش.” (فرحات، 2020، ص90)، وعليه فإنّنا من خلال هذه القراءة سنتطرّق إلى كيفيّة توظيف  القاصّ حسن البطران قصّته القصيرة جدّاً (الوجيزة) بعنوان “قول” في استنطاق المتلقّي في توليد خفايا المعنى، وإنّ هذا التّحليل ليس سوى محاولة متواضعة قد تختلف بين متلقّ وآخر.

العنوان هو عتبة النّصّ الّتي تفتح أمامنا تساؤلات كثيرة، “قول” عنوان جاء مصدراً نكرة، ومعروف أنّ المصدر اسم مجرّد من الزّمان، ليأخذنا هنا إلى كلام أو ألفاظ نطق بها اللّسان وقد يشتمل كلاماً مفيداً أو غير ذلك، تامّاً أو ناقصاً، صادقاً أو كاذباً، وكذلك فإنّ كلّ قول يظهر من خلفيّة ثقافيّة معيّنة. وفي انتقالنا إلى النّصّ يظهر لنا أنّ هذا القول عبّر عن العلاقة بين المرأة والرجل، أمّاً كانت أو أختاً أو زوجة… فالعلاقة بينهما يجب أن تقوم على التّكامل، على الحوار والاحترام والتّفاهم، وقد ركّز الكاتب في المشهديّة على “الإيحاء الفكريّ” لنستوحي الزّمان والمكان على أنّ الزّمان مستمرّ والمكان محصور في المجتمعات العربيّة الّتي غالباً ما نجد فيها أنّ الرّجل يستمدّ رجولته من وجود المرأة فهو الآمر والنّاهي الّذي إليه تعود كلّ الأمور، والّذي ليس بعد رأيه رأي، وفي قولها له “أنتَ مجنون…!” تمرّد وخرق لهذا القانون الثّقافيّ السّائد، وهذه العبارة تتبعها ثلاث نقط متتالية، قد تشير إلى كلام آخر قالته المرأة دفعت بهذا الرّجل إلى الاستنكار الشّديد، فالمتعارف عليه أنّه على المرأة أن تصمت احتراماً لغضب الرّجل، فكيف بها تنعته بالجنون؟ والمجنون هو فاقد العقل، غير المدرك لأفعاله وأقواله، وهذا خلاف للرّجولة المسؤولة!

فمن الطّبيعيّ أن يستنكر كلامها كما جاء في الوجيزة “استنكر كلامها”، تلك المرأة الّتي استطاعت أن تبوح باستنكارها في وجه الرّجل القويّ الّذي يحميه المجتمع، ربّما هذا ما جعله يشعر بالضّعف، والانكسار، وقد دفعه ذلك إلى الانزواء “انزوى في إحدى زوايا الغرفة” يختبئ من محيطه الّذي سيسحب منه هويّته الرّجوليّة، فـ”انعدام الثّقة يعزلك تماماً” (سفيندسون، لا تاريخ، ص89)، وهو فقد ثقته بنفسه، وقد لجأ إلى حلق شعر رأسه “حلق شعر رأسه” كتعبير عن حالة اكتئاب يمرّ بها الرّجل، جعلته يجلد نفسه تعذيباً لها لعدم قدرتها على المواجهة، وإثبات ذاتها أمام هذه المرأة الّتي خرقت المألوف والمتعارف عليه ووقفت أمام قوّة هذا الرّجل حتّى كسرتها، فيقول الكاتب في ختام وجيزته “كسر زجاج المرآة”، وهنا تكمن المفارقة حيث وظّف الكاتب القصّة مخالفة للواقع لإظهار قضيّة الثّقافة، فلم يتوجّه الرّجل للانتقام من المرأة، لكنّه في القصّة انتقل إلى الانتقام من نفسه، فكانت هذه المرآة هي المرأة نفسها الّتي ظهر في انكسارها شتات لذات الرّجل، وفقدان لهويّته الّتي يستمدّها من وجود المرأة وتملّكها، وهذا التّصرّف ما هو إلّا دليل تفجير لغضب مرتبط بظروف اجتماعيّة تحكمها الثّقافة العربيّة، فالرّجال “يشجّعهم المجتمع على الغضب” (حبيب، 1994، ص15)، أمّا النّساء فـ”يحرمهنّ المجتمع من القدرة على التّعبير عن الغضب بصراحة.” (ص16)، وهنا تبرز أهمّيّة المحيط في التّأثيرعلى تصرّفات الأفراد في الغضب، وكيفيّة التّعبير عنه أو كبته، وهذا ما زعزع عند الرّجل ثقته بنفسه في هذه القصّة الوجيزة، كأنّ تمرّد المرأة تهديد لوجوده، فلم يعد قادراً على رؤية نفسه مشوّهاً من خلال هذه المرآة، ما دفعه إلى كسرها، كي لا يرى انهزامه، وهنا يجد “الشّخص نفسه موضع انتقاد وتبخيس ذاتيّ” (بونتاليس؛ لابلانش، 1997، ص111)، وهكذا فإنّه يحاكم نفسه بطريقة انتقاديّة، وهذا القول الّذي جاء به الكاتب لم يكن سوى نكرة مجهولة الهويّة يتناقلها النّاس من جيل إلى جيل، يطبّقونها من دون إعمال للعقل، فتخضع “أنا” الرّجل لأوامر الأنا الأعلى المتمثّلة بالمجتمع والثّقافة السّائدة، وتظهر المرأة هنا بصورة الخصم بدلاً من كونها مكمّلاً فاعلاً في حياة الرّجل، وفي الوجيزة شخصيّات بلا أسماء لتشمل كلّ رجل عربيّ، وكلّ امرأة عربيّة، ظهرت من خلال استخدام الضمائر “أنت” والهاء في “كلامها”، وفي “نفسه” وغيرها من الكلمات، وتاء التّأنيث في افتتاحيّة النّص “قالت” وهو الفعل المحرّك لما ظهر من أحداث في الوجيزة “استنكر/ انزوى/ حلق/ كسر” وقد أظهرت هذه الأفعال الماضية تسلسلاً في سرد الأحداث، ونموّاً لها بدءاً من استنكار القول مروراً بحالة الاكتئاب، وصولاً إلى فعل الكسر، وهو فعل يدلّ على الاندثار، فالمرآة إن كسرت لن يعاد جمعها، وإن جُمعت فستكون مشوّهة، وهكذا هي المرأة كما وصفها الرّسول عليه الصّلاة والسّلام، وحثّ على الرّفق بها، فشبّهها بالقارورة، لرقّتها…

أظهرت هذه الوجيزة على الرّغم من قصرها ثقافة عربيّة، كان على القارئ أن يملأ هذه الفراغات الّتي تركها الكاتب حسن البطران بين هذه الكلمات القليلة، فأخرج لنا من بينها صورة لنماذج عليا تسلّلت للثّقافة لتصنع فضاء خياليّاً تقود من خلاله الأمم من “دون أن ندرك زيفها واهتراءها” (الغذّامي، 2005، ص117)، وهذا ما يُظهر “ثقافة النّسق” حيث “لا مكان للمعارضة أو مخالفة الرّأي، والآخر دائماً قيمة ملغيّة” (ص196)، وهنا تظهر لنا القصّة أنّ الثّقافة تسيّر الإنسان وتكبّله، فيسلك طريق التّبعيّة مرغماً، وإلّا فهو منبوذ، يسلك طريق الخطأ وإن كان على حقّ.

المراجع:

  • بونتاليس، ج. ب؛ جان لابلانش (1997). معجم مصطلحات التحليل النفسي (ط3)، تر. مصطفى حجازي. بيروت: مجد المؤسسة الجامعية للدّراسات والنّشر والتّوزيع.
  • حبيب، صموئيل (1298). الغضب (ط2). القاهرة: دار الثّقافة.
  • سفيندسون، لارس (لا تاريخ). فلسفة الوحدة. تر. ناصر عبد الحميد. دار منطاد.
  • صالح، كامل (2022)، الكتاب النّقدي لملتقى الأدب الوجيز (ط 1). بيروت: دار نلسن.
  • الغذّامي، عبد اللّه (2005). النّقد الثّقافيّ: قراءة في الأنساق الثّقافيّة العربيّة (ط3)، بيروت: المركز الثّقافيّ العربيّ.
  • فرحات، درية (2020)، الأدب الوجيز (هويّة تجاوزيّة جديدة) (ط 1). الأردن: دار جليس الزّمان للنّشر والتّوزيع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى