ناموسُ الهيكل الأول
إلى شوقي بزيع أحد سدنة اللغة
د. فاروق شويخ
بدأنا
صراخاً بصدر المغارهْ
وخوفاً يفتّشُ عن أيّ فكرهْ
فكيف نقولُ لهذا الزمانِ:
تُرى من هنا الآن نحنُ؟
وكيف نصُبُّ الرؤى في عبارهْ؟
فعلنا؛
فكانت هي الصورةَ المنقذهْ
نقشنا على الصخر شكلَ الغزالْ
ورسمَ النجوم، ووجه الجبالْ
حكينا عن الجوعِ
عن خوفنا
لنمنحَ هذا الوجودَ إشارهْ
ومن رحِم الرسم سالت ظلالُ الكلامِ
فصارت نقوشُ المسامير صوتاً
على لوح طينٍ تَحدّى جنون المماتِ
وقامت حروف النبيين نوراً
بهيروغِلِيفيةٍ
تبعثُ الروح في ميْتِ عهدٍ بعيدٍ
لتبنيَ للوعي أعلى منارهْ،
وتسألني:
من أنار الطريقْ!
هل الفكرةُ الأزليةُ كانت جذورَ الحريقْ؟
أم اللفظ لما تجلى استفاقْ
تقولُ العصورُ المديدهْ:
لقد كان فكراً سجينَ العقولِ
ولمّا التقى بالرموز استقامْ!
فما اللفظ إلا جسدْ
وما الفكرُ إلا صدى روحِهِ
إذا اجتمعا، وُلدت للحياة حضارهْ!
ودارت عصورٌ
فشبّ الرمادُ، وأورق صوتْ
وأصبحت اللفظةُ المستديرة
نهراً يسيرْ
فلم تبقَ طيناً، ولم تبقَ سطرَا
ولكنها بعد جهد السنينِ
غدت للحقائق جسرَا
تَطوَّر من ثَمَّ هذا اللسان الصغيرْ
فقاطع عهدَ السكوت الطويلِ الطويلِ
وما عاد يكفيه وصفُ المكانْ
ولا ذكرُ ماءٍ وقوتٍ
لقد صار يبحثُ عن سرِّ هذا الوجودِ
ويرسمُ باللفظ ما لا يرى
ومن ذلك الوعي طار الخيالُ
ولاح المجازُ…
فلم نَقلِ: الشمسُ كتلةُ نارٍ
ولكنْ حسبنا ضياها رداءْ
ولم نَحسبِ الموتَ صمتاً
ولكن لمسنا حقائقَهُ في الخفاءْ!
بدأنا نصوغُ الحياةَ خيالاً نقياً
ونُنطِقُ في الكون حتى الحجرْ
وها أنت ذا؛
تقفُ اليومَ صرحاً رفيعاً
تراقصُ بالشعر موجَ البحار
وتكتبُ نفسَك مزجاً من الأبجديةِ
والهذيانْ
فأنت امتدادُ صراخِ المغارةِ لما أفاقْ
وأنت البيانْ!
***
وجُنّ الكلامُ
فما عاد يكفيه دورُ المُرمِّمِ بين القبورِ
وما عاد يقنعُ أن يستعيرَ رداءَ المغارهِ
لقد كسر اللفظُ طوقَ الوظيفهْ
وأصبح ذئباً يصيدُ الضياءَ
ويشربُ خمرَ الإشارهْ
تَمدّد في جوعِ جلجامشَ،
ٱلعشبُ ماتَ
وأبصَر وجهَ الفناء كركض الغزالِ
ٱستحال النزيفُ سطوراً
تَشبّثَ بالوقتِ، صادم وجهَ الغيابِ بحبل مجازٍ
فأصبحتِ اللفظةُ البِكرُ شعراً
وسارت تُمزّقُ صمتَ العصورِ
تؤبّدُ هذي الحياةَ
تُريقُ دمَ العقل فوق مذابح إغريقِهِ
هناك ٱستفاق السؤالُ العنيدُ
تَعرّى الوجودُ أمامَ الفلاسفة الخائفينَ
فصار رمادُ الحروفِ شرَرْ
يضيءُ عقولَ البشرْ
ومن نار هذا اللسانِ العجيبِ
تَنزّلتِ الكلماتُ
فكُلّم موسى
(وما الدينُ إلا كتابٌ يحاولُ أن يتبنّى صياغةَ هذا الوجودِ
ويخلقَ في الجدب طوفانَ ضوءٍ)
وتسألُني في جنونِ الكتابهْ
أمعنًى نريدُ أمِ اللفظُ يكفي؟
فماذا يقولُ فُتاتُ الرمقْ؟
هو اللفظ جسمٌ يفيض شبقْ
يحار إذا لم يعانقْه معنى عميقٌ
إليه بشوقٍ وثبْ
يفتشُ عن زغردات عانٍ تُتوئمُهُ،
وحين يرى في المعاني مناجمَهُ
يكون لها جسداً
من ذهبْ
***
وجُنّ اللسانُ
وما عاد يقنعُ أن يستقرَّ
تَحوّلَ باباً يقودُ إلى العشقِ
وفي بابلَ ٱنسكب الغيبُ
في أغنيات أكادَ
ٱزدهت جُملٌ للنصوصِ
تبثُّ النيازكَ في ليل بغدادَ بعد الغسقْ
***
أمُّ اللسانِ
مشت لمصرَ
فأنطقتٍ كلَّ الفراعنة الملوك أمام سِفر خلودِها
والشامُ تقذفُ سرَّ حكمتِها لقرطاجَ العريقةِ في المدى
وهناك في روما، وفي أثينا
تَمخّض في أرسطو منطقٌ فذٌ
وأفلاطون كان أشعَلَ فكرةَ شكِّهِ
لم يستقمْ مسعى فلاسفة العصور بغير صرختِه التي تَلجُ النفقْ
إنّ اللسانَ الآنَ يصنعُ جوهراً
للجسم أو للروحِ
كي يلدَ العبقْ
***
جُنّ اللسانْ
ما عاد يقنعُ بالسكوتِ؛
لقد غدا باباً يقود إلى عوالمِ معرفهْ
وتَمزّقت حُجُبُ الغيابِ،
فكلُّ سطرٍ في المدى يبني عوالمَ من ألقْ
صيرورةٌ للأبجدية لا تُحدُّ
لأنها نهرُ الحياةِ، تسيلُ في دم مَن نَطقْ
العقلُ دون بيانِه جسدٌ يموتُ،
يظلُّ في عتم القفار أقام في لُججِ الغرقْ
لغةٌ هي الوعيُ الذي يمحو الظلامَ يُدرّبُ الروحَ الطليقةَ كالغمامْ
هي ثورةُ الفكرِ العظيمِ،
مثاقفاتٌ من عقولٍ أشرقتْ
لتضيء فلسفة الحداثة في عروق الباحثينْ
ما بين روما أو دمشقَ
تكسرت شمس على أرض البصيرة أمطرتْ
لكن هذي الضاد كون آخرٌ
بحر عميق لا يقاسْ
ما ضاق صدر الضاد يوماً بالحديثِ، وبالقديمِ، وبالمجاز المنتظرْ
في جوفها ينمو جنون الشاعر العملاقِ،
يقذف جمرة تنفي الحذرْ
وتعيش فلسفة المفكر في حماها حرةً، تُملي الرؤى عبر الصورْ
والكاتب المجنون يبني من خيال المرء صرحاً ثابتاً
هي قدرةٌ عُلويةٌ
تستوعب الوجع القديمَ، وتصنع الغد بالبيانِ، وتزدهرْ
في كل حرف من حروف الضادِ
سر من خلود كالقدرْ
الحرف يفرد حضنه المضيافَ
للرؤيا، وللأشواقِ، للغضب العنيفِ، وللجنون إذا انفجرْ
فالعقل يدرك ذاته فيها، ويملك سرَّهُ، وبه يعيش وينتصرْ
لولا اللسان لكانت الدنيا مجرد هيكلِ، طين يسير بلا أثرْ
فٱسمع لصوت الروحِ
يرتجل البيان كأنه وحي يسيل على الورقْ
وٱحمل لسان الضاد مجداً، وافتح الأبواب في وجه البداوةِ
إنه روح الخلاصْ
وبها الشروق الفذّ يورق في الشفقْ
وتسير هذي الضاد في فلك العقولِ
تفك أسرار الوجودِ، وتسترد كرامة الإنسان في زمن الذهولْ
فبها تجلى من أرسطو فكرُه،
وبها ٱستقل الوعيَ أفلاطون في البحث الطويلْ
فاللفظ في عُرف العروبة ثورةٌ، تجتاح أوهام العشيرة والعقولْ
هي واحة المتأملينَ
وملجأ العشاق في جوف الليالي، مأمن الراوي الجريءْ
تستوعب الفن العظيمَ، وتصنع التاريخ من حبر نقيٍّ أو بذيءْ
وتخضُّ وعي القاصرين وتبعث الفجر المضيءْ
فالشاعر المجنون في الضاد استراحَ، وخط بالأمواج عنوان الحريقْ
إن البيان هو الحياةُ، ودونه يمشي الأنام بعتم تيهٍ أو مضيقْ
وتصادم الحبر الجريء بآلة صماءَ،
لم تسمع أنين عبارتي
جاءت بلادتها لتخنق جذوة المعنى الذي يعلو بجوف سريرتي
لكن فكر الشاعر العملاق يجرف كل أسوار الحديد بثورةِ
فالضاد ليست أعظماً يبساً، بل الروح التي صنعت وجوداً باهراً
يا آلة سكنت خواء العقلِ، ما لك والجنون العبقريّ!
كيف الحديد العاجز المجنون يقبض نور فكرٍ، عن مدارك خارج الرواي ويبني من جنون النص صرح خيالِهِ
هذا الصدام هو الخلاصُ، تَمزُّق الأوهام في زمن الجفافِ
فاللفظ في غضب الشواهد كالصواعق لا تلينْ
تستوعب الضاد العظيمة كل أوجاع الفلاسفة الكبارْ
تمشي إلى روما، وتدخل بابل الأولى، وتبني مجدَها
فاسمع لصوت المرءِ، حين يمج صمت الآلة الصماءِ
هل حقاً حروف الضاد ثورتُنا، وتاريخ العقولِ، إذا بدا في دربِنا
ما نحنُ؟
إلا شهوةٌ تبكي، وبَوصلة الجسدْ!
نمشي إليهِ، ونحن نجهل كيف نسكن جلدَنا
كيف ارتداء النبض في صخب المدى؟
نبني من الكلمات أطرافاً لنا
ونظل عُرجاً في ممرات الصدى!
اللغة الملاذُ… هي الملاذْ
نأوي لها نستنطق الطين القديمْ
ونقول للجسد المسافرِ:
أيها الحي المحاصر بالعدمْ!
إن التشهي والتحول بابُه
لغة جسدٌ
فهي اندلاع الروح في لحم العبارةِ
كائن حي يفور بدمعِنا
يتأنسن المعنى بهِ
ينمو على صدر الوجود كغابة بكرٍ
ويفتح للرغائب بابَها!
وبه المدى المتوثب الكونيُّ
يورق في الحروفْ!
كيف انفصال الكائن المجنون عن عبث الطيوفْ!
نمشي وثوب اللفظ يستر عريَنا
نمشي، نلوذ بأحرف صوفيةٍ
نلتف بالألف المديدة نختبي
في نون غيمتنا، ونسكن في الجهات
إن غطت الكلمات رقة جلدِنا،
صرنا السماءَ، وصار هذا الكون لفظاً من دماءْ!
خذني إليك أيا جسدْ
لغتي تموتُ
وقد تموتُ
لكي تعيش إلى الأبدْ!


