آخر الجرح… أوّل القصيدة؛ سيميائيّة الأفول في قصيدة “نتشابه في الظلّ… نتباين في الضوء” لمجدي الحجّار
- القراءة الثانية -
– القراءة الثانية –
آخر الجرح… أوّل القصيدة
سيميائيّة الأفول في قصيدة “نتشابه في الظلّ… نتباين في الضوء” لمجدي الحجّار
د. سميّة عزّام
تنبّهنا النهايات كما المطالع في النصوص الشعريّة؛ فعين القارئ لا تراقب الكلمات في سكونها. تنكشف الرؤية التحاماً بجسد القصيدة، وتماهياً مع حركاتها في استجابة لنداء العوالم اللامرئيّة؛ فتحوّلها إلى مرئيّات، وتلتقط ما هو بعيد من إشارات تقرّبه لجذب ما يعبر بين السطور إلى دائرة الضوء. غير أنّ المطالع والنهايات لا تفصح وحدها، إذ ثمة بؤرة دلاليّة تنتشر وتتمدّد في كامل القصيدة؛ فتوجّه القراءة إذا ما اقترنت بعتبة النص الأولى، أي العنوان ببنيته التقابليّة القائمة على ثنائيّتي الظلّ والضوء، والتشابه والاختلاف، والذات والآخر. أبعد من ذلك، يضعنا العنوان أمام مشهديّة تصويريّة لا يمكننا إغفالها في تصوّرنا لقصيدة مرئيّة ترسم مصائر شخصيّاتها في فضاء حدث درامي.
لعلّ الجملة الجوهريّة التي تعضد الأجزاء، وتردّ النهايات إلى البدايات والنتائج إلى الدوافع، بما تحمله من دلالة الانقسام والمفارقة، هي: “وحدها حدقات الأسرّة تبصر ما كتمته الوجوه وتسخر من غربة تتمدّد بين القلوب ولا تتبدّد في هذيان العناق”. هي البؤرة توسّع دلالة السرير من مكان الحدث إلى المختبر السيميائي، كما أنّها تولّد التساؤلات وتثير الحيرة أمام الحياة التي تلحظ الخلل الفاضح بين المتعانقَين المغتربَين. نخالها -أي الحياة- شخصيّة في حركة ردّ الفعل على واقع مثقل بالتباينات في تقدّمها مراراً، ومن ثَم في تراجعها.
ومن البداهة أن لا حركة بدون زمن؛ فيتحدّد الزمن إذ ذاك إطاراً حركيّاً مؤسّساً لبنية النص وأجزائه، بين ليل ملحوظ لفظيّاً في البدء والختام، وضوء يحضر ويغيب أو ينوص، وبين حاضر وماضٍ ومستقبل في سيرورة الأعمار. كما يتعالق مع الضمائر بوصفها علاقات إحاليّة، لينتج حركات ثلاث، ويقذفنا في قلب حقول ثلاثة تشتبك معها، هي: حقل الرؤية، وحقل العشق، وحقل الكتابة.
حقل الرؤية وحركة التواصل المزعوم في فضاء “نحن”
الليل والنهار ليسا مجرّد فاصلين زمنيّين في حركتهما التعاقبيّة، بل هما علامتان على التضاد بين الحجب والكشف، وبين ما يظهر وما يستتر ويكمن، وبين الحقيقة وظلّها. الحركة الأولى تجسّد فضاء الشمول لقدريّة تجمع الاثنين المشار إليهما بضمير الجمع: “نحن” في عويل الرغبات وصرخة المكبوت. والزمن المضارع المنتشر ينقل القارئ إلى قلب الحدث، ويمكّنه من استحضار صورته الحركيّة؛ فالليل يشرب نبيذاً رديئاً، والنهار يكشف أحداقاً ووجوهاً بملامح سرابيّة تثرثر بالمجد، في محاولتها التكتّم على خيباتها المتراكمة في زنازين عتمة الأعمار. إنها سيميائة نفسيّة بامتياز حين نفهم الانزياحات.
لكنّ ضمائر الغائب تتداخل مع ضمير المتكلّمين في الزمن الحاضر لتعلن المفارقة، مفصحةً عن الغياب لا التواصل الحقيقي رغم العناق والمكان الواحد الذي يجمع. فالاجتماع على أيّ أمر، وفي أي وجهة؟ سرعان ما تأتي الإجابة عن شخصيّات منزوعة الملامح، شبحيّة ومثقلة بحمولة الاغتراب؛ ومن ثقلها وكثافتها تجسّدت وهبطت. ولأنّ الأرواح هجرت لطفها والقلوب فقدت خفّتها، جذبها الثقل غطاءً على سرير يرسم أولى خيوط المأساة لحاضر بائس ومخادع. وهكذا، فإنّ الزمن المضارع يدلّ على حيويّة الثبات لهذا التباين بين ما يثرثر به النهار وما يفضحه الليل ويكشفه مخدع الأحبّة.
حقل العشق وحركة اللايقين والانفصال في فضاء “أنتِ”
بعد الاتّصال في الحركة الأولى، تأتي حركة الانفصال الدلالي بالانتقال من الشمول إلى التعيين في مستوى الضمائر، ابتداءً بضمير المخاطبة متبوعاً بضمير المتكلّم المفرد اللذين يكسران وحدة ضمير الجمع “نحن”. “أنتِ” علامة على الآخر المختلف في لحظة ضوء تكشف التباين والانفصال النفسي والفكري والسلوكي، لا سيّما في فعل السرد. و”أنا” يتبدّى محور الحكي، بل محور ردّ الفعل على السرد الملفَّق والمموِّه للحقائق. إن كانت الأنثى شريكة في العجز عن الإمساك بأوّل الجرح، فالرجل المتكلّم يفصح عن ذاتيّته ليأخذ بزمام الأمور ويمسك بآخر الجرح، لعلّه يصوّب مسار العلاقة: “كي يتحوّل خط الخسارات عن سمته المستقيم”. كيف له ذلك؟ تجيبنا الحركة الثالثة من النص.
لكن قبل القفز إلى النهايات، نتوقّف أمام ما يجلّل هذه الحركة -الثانية- في بناء النص وفي خط العلاقة بين الشخصيّتين، فضلاً عن مثلّث الأزمنة. وهو الارتياب المعلن عنه في كلمة “ربّما” المتواترة مرّات أربع. هذه الكلمة علامة على الاستقبال أيضاً، وفي انطلاقها من الحاضر تستدعي الماضي بحمولاته. فالخط له بداية، وللجرح أوّل وآخر، وما هو قديم ثمة تصّور لتجديده أو ربما نقضه وابتعاثه في ولادة جديدة. وسط كلّ ذلك ثمة حلقة رابطة، فضاء مَعيش بين الأوّل والآخر، بين الأمس والمستقبل، وبين جبهة مرتفعة وأخرى مائلة؛ إنّها الحياة الحكيمة التي تحاول إيقاظ القلوب والعقول في إخفاقات لها متكرّرة. قد يكون الاحتضار، ولعلّه المخاض! هذا التذبذب في التقدّم والتراجع للحياة، وبين ضميريّ أنتِ وأنا، وفي لازمة “ربّما” ينقلنا للعيش في عالم يتّسع للاحتمالات، ولممكناتٍ نترقّبها.
حقل الكتابة وحركة الارتداد نحو الداخل في فضاء “أنا”
انتهت الحركة الثانية بإدراج فكرة العنوان، لكن مع نزعة الترجيح والشكّ. والتكرار تأمّل لثبوتيّة اللايقين: “ربّما نتشابه في ظلّنا… نتباين في ضوئنا”. والتكرار تأكيد لثنائية الائتلاف والاختلاف بمباركة المواقيت التي تذهب بنا إلى دلالات ثانية. يتابع النص في حركيّته التقابليّة بالتناوب بين ضميريّ “أنتِ” و”أنا”، والانعكاسيّة بين فعل وردّ فعل، ليرسم تأمّل الذات في محاولتها ترميم الانكسار عبر فعل الكتابة. فتعثّر العيش معاً في الواقع يأخذ الحبيبين إلى فضاء الحلم والخيال، تارة إلى عالم السرد وتارة أخرى إلى عالم الشعر. فإذا كانت الحبيبة تجيد سرد الحكاية وإعادة إنتاجها بتلفيق إبداعي، فالحبيب يحسن إعادة ترسيم مسار العلاقة بموسيقى الكلمات. إزاء: “تسردين لأولادك.. قصّتنا.. مثل كلّ الحكايات.. تحقنين المساء.. والظل يعوي على مقلتيك وقلبك..” نقرأ: “أنسج ثوب المجاز جديداً.. أعدو كذئب.. تنهشني كتبي.. فأقبس ضوء القصيدة..”.
تتّضح صورة التشابه في الرغبات الجسمانيّة الفطريّة من خلال تضمينات لمعاني الظلّ والذئب، ربطاً بمقطع البداية. أمّا الاختلاف فيبرز في مستوى آخر، فكريّ ونفسيّ، يناسبه الوضوح والضوء؛ وهو ما يعمّق حالة الغياب في غربة الأرواح. تشكّل النهاية في تصاعدها الدرامي بدايةً لحالة وجدانيّة جديدة، وشروعاً في فعل ولادة، هو ولادة القصيدة التي تأتي على مهل من رحم المعاناة والإخفاق والغضب: “وابنتي تكشح ضحكتها نجمة نجمة.. ويتّسع الليل في مقلتيَّ وقلبي”. هذا ما يمكننا تسميته بتقنيّة “تأمّل القصيدة ذاتها” في محاولة سرد حكاية مخاضها وولادتها داخل نص القصيدة. ليس أدلّ على هذا البدء في المستوى النحوي من الزمن المضارع للأفعال، وهو يجلّل عالم النصّ.
ما الذي يجمع الحركات الثلاثة؟ بمعنى آخر، ما الحركة التي تكشّفت لتعديل “خط الخسارات عن سمته”، قبل محاولة الشاعر المخذول والخائب داخل النص؟ الحياة نفسها هي الإجابة؛ والحياة ما هي إلا الحبّ والمودّة بين الحبيبين. فالقصيدة لا تتأمّل ذاتها إلا من خلال تأمّل الحياة برحابتها. وقد جاءت هذه الحركة التصحيحيّة -إذا صحّ التعبير- في قلب حركة الارتياب/ الثانية: “تتقدّم منّا الحياة.. بطيبة سيّدة.. ونُعرض عنها فتتركنا في الطريق..”. فما كان من الشاعر إلا أن أمسك الخيط من آخر الجرح، مقيماً في منطقة بين اليأس والأمل في إقدامه. ومهما يكن من أمر المحاولة، فإنّها التسامي في أبهى صوره بابتكار حلول إبداعيّة تستجيب للهشاشة الإنسانيّة. فالتجاوز بالفنّ يترك باب القلب موارباً، ويمنع الدائرة السيميائيّة للأفول من إحكام انغلاقها.

