الزّاد اللّغويالمجلة

بين الزجل والشعر الفصيح الموزون

بين الزجل والشعر الفصيح الموزون

د. إميل منذر

 

ثمّة اعتقاد لدى أكثر الناس أن الشعر الفصيح الموزون أصعب نظماً من الزجل، وذلك لسببين اثنين، أوّلهما قلّة معرفة السواد الأعظم من الناس بالفصحى. وهم في ذلك معذورون لأن القاموس الفصيح هو من أضخم قواميس اللغات في العالم كما يقول أنيس فريحة. من هنا عبارة الخليل بن أحمد: لغة العرب لا يحيط بها إلا نبيّ. وهم معذورون أيضاً لقلّة معرفتهم بقواعد اللغة. هذه القواعد الصعبة المتشعّبة، والتي يكثر فيها الشذوذ عنها، وتخالف اللغة في بعض الأحيان. ومن أمثلة ذلك أن القاعدة تقضي بعدم جواز دخول أدوات الشرط على الجمَل الإسمية، إلاّ أنها في الشعر تدخل كما في قول السموأل:

إذا المرءُ لم يدنس منَ اللؤمِ عِرضُهُ   فكلُّ رداءٍ يرتديهِ جميلُ

السبب الثاني هو قلّة معرفة الناس، وحتى أكثر الشعراء منهم، بالجوازات في التفعيلات، والزحافات والعلل، وما يجوز للشاعر به وما لا يجوز على صعيد اللغة. وهذا موضوع بحث آخر إن شاء الله.

إلاّ أنّ هذا الاعتقاد هو مغلوط. ذلك أنّ أحكاماً صارمة كثيرة تجعل من الزجل أكثر تقييداً من الشعر الفصيح. وإليكم هذه الأحكام:

1- الحُكم الأوّل: في الشعر الفصيح الموزون ثمّة مجال للجوازات في التفعيلات. قال ناصيف اليازجي:

فيكَ الصيانةُ والزهادةُ والتُقــــى   واللطفُ والكرَمُ الـــــذي لا يُجحَدُ

والحِلمُ ثمّ العِلمُ ثمّ الفهمُ ثمـــــ   مَ العزمُ ثمّ الحــــــزمُ ثمّ السؤدُدُ

يا فضلُ بل يا عدلُ بل يا ويلُ بل   يا نصلُ بل يا شبلُ بل يا سيّدُ.

هذه الأبيات منظومة على الكامل: متفاعلن متفاعلن متفاعلن. لكنّ الشاعر استخدم حقّه الذي منحه إيّاه الخليل؛ فاستخدم أحياناً تفعيلة “مستفعلن” في موضع “متفاعلن”.

من جوازات أبحر الخليل وتلميذ تلميذه الأخفش الستّة عشر، والتي يسمّيها نزار قبّاني أقفاصاً، جواز “مفاعلن” في “مستفعلن”، و “فَعِلن” و “فِعْلن” في “فاعلن”، و “مفاعيلن” في “مفاعلتن”…. إلخ.

يقابل الكامل والرجز في أبحر الخليل، المعنّى في الزجل. وهذا الأخير لا يجوز فيه إلا: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.

قيل يوماً لأبي العتاهية إن بعض شعره على خلاف علم الخليل، وذلك عندما وردت عنده في الخفيف عروض مجزوءة مخبونة مقصورة هي “مُتَفْعِلُ” بدلاً من مستفعلن، وبالتالي فإنها تحوَّل إلى فعولن، وجاء في البيت: عَتْبُ ما للخيالِ خبّريني وما لي (فاعلاتن فعولُ فاعلاتن فعولن)؛ فردّ أبو العتاهية: أنا سبقتُ الخليل.

وها هو المتنبّي لم يلتزم ما التزمه الشعراء من وجوب القبض في عروض الطويل. وهذا ما أخذه عليه الصاحب بن عبّاد في رسالته “الكشف عن مساوئ أبي الطيّب”. وهذا البهاء زهير يشذّ كذلك في أبيات بحيث لا يُعرف لها بحر على ما ذكره الصبّان في “حدّ الشعر”. وقال الكسائي في قصيدة عبيد بن الأبرص “أقفرَ من أهلِهِ ملحوبُ” إنها من عجائب الدنيا لِما فيها من اختلاف في الأوزان، وأضاف: الأَولى أن تُلحَق بالخطَب.

هذه الجوازات التي أعتبرُها تسهيلات لأنها تمنح الشاعر مجالاً أوسع للمناورة، لا وجود لها إطلاقاً في الزجل.

بالعودة إلى العَروض المجزوءة المخبونة المقصورة وإلى القبض في عَروض الطويل، دعونا نرى رأي ميخائيل نعيمة. يقول في كتابه “الغربال”: والزحافات والعلل أوبئة تنزل بأوزان الشعر العربيّ؛ فتحرّك ساكناً، وتسكّن متحرّكاً، وتقضم حرفاً هنا، ومقطعاً هناك… هذا هو أبو عبد الرحمن (يقصد الخليل) يا صاحبي… فلولاه لكنّا بلا زحافات وعلل. وكيف تكتمل لنا السعادة بدون علل وزحافات!!!… لقد مات الخليل يا أخي. ومنذ مات الخليل حتى اليوم ونحن منغمسون في درس الخبن والخبل، والترفيل والتذييل، والنقص والوقص، والقطف والكسف، والحزم والثلم، والقصر والبتر، إلى ما هنالك من زحافات زاحفة وعلل معتلّة… أمّا إننا في جِدّنا وراء ناصية العروض فقد أفلتت من يدنا ناصية الشعر.

2- الحُكم الثاني: في الزجل لا يجوز في القصيدة الواحدة الجمع في تفعيلة القافية بين “فعولن” و “فعيلن”. بينما في الشعر الفصيح يجوز. قال عبد الحميد الرافعي:

ونصرانيّـــةٍ ضربت مساءً   على الأوتارِ أغنيــةَ المسيحِ

فقالت: رُح بربِّكَ من أمامي   فقلتُ لهــا بربِّكِ أنتِ روحي.

وقال السموأل بن عاديا:

تعيّرُنا أنّا قليــلٌ عديدُنا   فقلتُ لها إنّ الكرامَ قليــــلُ

وما قلَّ مَن كانت بقاياهُ مثلَنا   شبابٌ تسامى للعلى وكهولُ.

3- الحكم الثالث: هو أنّ للبيت الزجليّ قافيتَين اثنتين: قافية الصدر وقافية العجز. بينما للبيت الفصيح قافية العجز فقط. قال خليل روكز من المعنّى:

بنت شقرا ووقعت بدَين العبيــد   مع أمّــــــها ما طوّلت مشوارها

صارو عليهــا حطّ إيد وشيل إيد   يا ويلهن مش عارفين سرارها

نزّلوها في براميــــــل الحديد   وخبّصوها وجارها مــــــا جارها

ومن بعد شي عشرين غلوة عالوقيد   طلعت من الراس تاخذ تارها

4- الحكم الرابع: إن غنى القاموس الفصيح بالمرادفات أمّن للشاعر هامشاً واسعاً للمناورة. قال أحدهم:

مررتُ على المروءةِ وهي تبكي   فقلتُ: علامَ تنتحبُ الفتاةُ؟

فقالت: كيف لا أبكي وأهلــــــــــــي   جميعاً دونَ خَلقِ اللهِ ماتوا.

إذاً في الوقت الذي يستطيع فيه شاعر الفصحى أن يناور بين تبكي وتنتحب وتنشج وتُعْوِل لتحقيق وزن البيت، نرى هذا الهامش ضيّقاً أمام شاعر الزجل الذي لا يستطيع استخدام إلا الفعل تبكي. كذلك فإنه لا يستطيع التعبير عن ملك الغابة إلا بكلمة أسد، أمّا شاعر الفصحى فله أن يختار اسماً من بين مئة وخمسين.

بعض شعراء الزجل يلجأون إلى كلمة فصيحة إذا ضاقت بهم سبُل الوزن. وهذا أمر مستقبَح جدّاً. يقول مارون عبّود في كتابه “الشعر العامّي”: وأنا إن خفتُ على الشعر العامّيّ من شيء، فلست أخاف عليه إلا من تفاصحه.

5- الحكم الخامس: اللغة تتيح لشاعر الفصحى التصرّف في بعض الألفاظ ما يسهّل له تمام الوزن. كقوله: حزَن، وعذَل في حزْن وعذْل، وذا بدلاً من هذا، وإدخال “ما” الكافّة على “إنّ”. كقولنا: إنّما المؤمنون أخوة، والمعنى هو هو، وكذلك إدخالها على “كي”، وإقحام “ما” الزائدة بعد “إذا”. قال النابغة الذبياني:

تبيّنتُ آياتٍ لها فعرفتُها   لستّةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ

فلو قال “هذا” لاختلّ الوزن كما ترون. أمّا شاعر الزجل فليس له مثل هذه الامتيازات، لأنّ المحكيّة لا تسمح له.

6- الحكم السادس: يجوز لشاعر الفصحى ما لا يجوز لغيره. عن ابراهيم بن عليّ الحُصْريّ القيرواني في “زهر الآداب وثمر الألباب” أنّ الخليل بن أحمد قال: “الشعراء أمراء الكلام، يصرّفونه أنّى شاؤوا، وجائز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده (أي التوسّع بالمعنى وتضييقه)، ومن تصريف اللفظ وتعقيده، ومدّ مقصوره وقصر ممدوده، والجمع بين لغاته، والتفريق بين صفاته”.

في موضوع جواز الجمع بين اللغات أذكر هذا البيت من البسيط لجبران خليل جبران في قصيدة المواكب:

والخيرُ في الناسِ مصنوعٌ إذا جُبروا   والشرُّ في الناسِ لا يفنى وإن قُبروا

فلمّا عابَ عبّاس محمود العقّاد على جبران قوله “جُبروا” لا “أُجبروا”، ردّ مارون عبّود على العقّاد بقوله إن الفعل “جَبَرَ” هو من لغة تميم، وهي إحدى القبائل السبع التي يُعتَدّ بفصاحة لسانها. فإذاً “جُبروا” و “أُجبروا” كلاهما صحيحان، وللشاعر أن يختار أيّهما يؤمّن له تمام الوزن.

يقول صبحي الصالح في كتابه “دراسات في فقه اللغة”: “فأنت تجد في البحث من بحوثهم (يقصد النحاة) قواعد عدّة. هذه تستند إلى كلام رجُل من قبيلة أسد، وتلك إلى كلام رجل من تميم، والثالثة إلى كلمة لقُرَشيّ. وتجد على القاعدة تفريعاً دعا إليه بيت لشاعر جاهليّ، واستثناءً مبنيّاً على شاهد واحد اضطرّ فيه الشاعر إلى أن يركب الوعر حتى يستقيم له وزن البيت”. أمّا شاعر الزجل فليس مسموحاً له أن يلعب باللغة. وأكثر من ذلك، فإذا كان يغنّي في صور مثلاً، لا يستطيع أن يستخدم مفردات محكيّة في زغرتا وطرابلس.

7- الحكم السابع: تسمح الفصحى بجواز التذكير والتأنيث في بعض الأسماء، كما في: عنق، روح، طريق، فرس، كأس… وغيرها. قال نزار قبّاني:

أما كسرنا كؤوسَ الحبِّ من زمنٍ   فكيفَ نبكي على كأسٍ كسرناهُ!

الغالب هو تأنيث الكأس. لكنّ الشاعر استخدم حقّ التذكير للضرورة الشعرية. وقال النابغة:

رقاقُ النعالِ طيّبٌ حُجُزاتُهم   يحيّونَ بالريحانِ يومَ السباسِبِ (حُجُزات جمع حُجزة، وهي موضع شدّ الإزار على وسَط الإنسان. السباسب: أحد الشعانين). وهذا غير جائز في المحكيّة، حيث لا يستطيع الشاعر أن يقول: هيدي الكاس، وطيّب روايح هالوردات.

8- الحكم الثامن: يجوز في الفصحى نسبة الأفعال بصيغة المذكّر إلى ما هو مونّث. قال ابن حمديس في ديوانه:

ولمّا التقى الأجسامُ من غيرِ ريبةٍ   وقد تلِفَت بالشوقِ فيهنَّ أنفُسُ.

وهذا ممّا لا تسمح به اللغة المحكيّة لشاعر الزجل.

9- الحكم التاسع: يجوز في الشعر الفصيح، وإن على ضعف، أن يكون الرويّ حرف علّة. قال مروان بن عبد الرحمن:

وشدّت يدُ الدهرِ رأسي بالمشيبِ أسىً

في غيهبٍ بسَنا المصباحِ مَوْشِيِّ

فدبَّ فيــهِ دبيبَ النارِ فــــــي فحَمٍ

ينفي دُجاهُ بلونٍ غيـــرِ مَنفِيِّ

وقالت ليلى بنت لُكَيز الملقّبة بالعفيفة عندما خطفها الفُرس:

ليتَ للبرّاقِ عينــــــاً فترى   كم أُلاقي من عذابٍ وعَنا

عُذِّبَت أُختُكُمُ يــــــا ويلكم   بعذابِ النُكرِ صُبحاً ومسا

غلّلوني، قيّدوني، ضربوا   ملمَسَ العفّةِ منّي بالعصا

حرف العلّة في الزجل لا يصلح لأن يكون رويّاً. قال موسى زغيب:

راحت رنا عالكرم ونطرتا أنــا   والكرم أشقر والمواسم عالجنـــا

ورجعت بعزّ الشوب واللولو اغتنــــــى   من صدر رغم الشوب برجو ما انحنى

ويا وهلتــــــــي من وقت ما صارت رنا   تفكفك زرار بلوزها بجهد وعنـــا

من بعد تالت زرّ عا صدر القميص   بلّش عرقـــها ينشّف وإعرق أنا

نلاحظ ملازمة حرف النون لحرف الألِف.

10- الحكم العاشر: يجوز في الشعر الفصيح الخلط، في القصيدة الواحدة، بين الرويّ الليّن والرويّ المشدّد. جاء في قصيدة “اليتيمة” لدوقلة المنبجي في الأميرة دعد:

هل بالطُلولِ لسائلٍ ردُّ   أم هل لها بتكلّمٍ عهدُ

وقال ابن التعاويذي في هجاء ابن عُروة:

حوى أولادَ عُروةَ من أبيهم   خِلالٌ كلُّها عارٌ ونقصُ

تفرّقَ ما تجمّعَ فيــهِ فيهم   فبَغّاءٌ وقَــــــــــــوّادٌ ولصُّ.

(خِلال: صفات. بَغّاء: ماجن، فاسق. قَوّاد: سمسار الفاحشة).

لنلاحظ الصاد الليّنة في “نقص”، والمشدّدة في “لصّ”. هذا الخلط غير جائز في الزجل. يقول الشاعر أنطوان سعادة في رثاء مارون كرم، رحمه الله:

لمّا دمع حلمي بعينـــــــــــي بان   العصفور صارت غيرتو تشدّو

استعرض خيالي حكمة سليمان   تــــا أعرف العصفور شو بدّو

تكتك قبالــــي ودشّر الأغصان   وعالأرض غنّى وما قدرت ردّو

وساعة ما صار يجود بالألحان   تأكّدت دقّ البــــــــاب عالسكّيت

وجايي ت يسهر هالمسا حدّو

أبو العلاء المعرّي في ديزانه “اللزوميّات” لم يخلط في القصيدة الواحدة بين الرويّ الليّن والرويّ المشدّد. ومن نماذج ما قاله:

بَنوكِ يا دنيــــــــا على غرّةٍ   لو لم يُغَرّوا بكِ ما سُرّوا

وهي المقاديرُ، فذا حتفُهُ   قيظٌ، وذا ميتتُـــــــــــــــــــــهُ قُرُّ.

ولأنه انتهج هذا النهج، ولم يخلط في القافية بين تفعيلة فعولن وتفعيلة فعيلن، ولأنه لم يكتفِ بالحرف الأخير كرويّ، لكن التزم أيضاً الحرف الذي يسبقه، سمّى ديوانه” لزوم ما لا يلزم”. ولعلّ كلّ ما ألزم نفسه به، كان تأثّراً بأساليب الزجل الذي كان سائداً في سوريا ولبنان وفلسطين.

11- الحكم الحادي عشر: الإيطاء. فإذا كان تكرار كلمة القافية في القصيدة الواحدة لا يُعَدّ عيباً، فإنه من غير المقبول إطلاقاً في الزجل.

12- الحكم الثاني عشر: مخالفة القواعد بداعي الضرورة الشعرية. قال الفرزدق في مدح زين العابدين:

ما قالَ لا قطُّ إلاّ في تشهُّدِهِ   لولا التشهُّدُ كانت لاؤهُ نعمُ

هذه مخالفة نحوية قامت حولها آراء واجتهادات لا تسمن ولا تغني من جوع. وهذا ابن النقيب يقول في ديوانه:

واعطفْ على المرجةِ الميثاءِ تلقَ بها   داعٍ إلى اللهوِ مِعواناً على الوطرِ (الميثاء: الأرض السهلة المنبسطة). والقاعدة تقضي بأن يقول: داعياً باعتبارها مفعولاً به.

وهذا ابن مسعود القوّاس يقول:

وإن جاءَ يستقضي منَ الناسِ حاجةً   يرَ أنّها حقٌّ عليـــهِ مرتَّبا

وإن طالبـــوهُ الناسُ يوماً بحقِّهِم   لوى وجهَهُ غيظاً عليهم وقطّبا

لقد ارتكب مخالفة نحوية ليستقيم له وزن البيت. وبعضهم أجاز هذه الصيغة قياساً على لغة “أكلوني البراغيث”.

  • الحكم الثالث عشر: جواز الوجهين وأكثر. وهذا من التسهيلات التي يستفيد منها شاعر القصيدة العمودية. قال ابن قتيبة الدينوري في “أدب الكاتب”: قال الشاعر:

لم تتلفّعْ بفضلِ مئزرِها   دعدٌ، ولم تُسقَ دعدُ في العُلَبِ.

فصرف اسم العلَم، ولم يصرف.

هذه هي الأحكام الثلاثة عشر التي تجعل من الزجل أكثر تقييداً من الشعر الفصيح الموزون. هذا من حيث الشعر، أمّا إذا عبرنا سريعاً إلى الشاعر، فنرى أن الزجّال يجب أن تتوافر له أربع صفات ليس ضرورياً أن يتحلّى بها شاعر الفصحى، وما ذلك إلا لأنّ الأوّل ربيب المنابر يغنّي شعره غناءً. هذه الصفات هي: الصوت الحسن، الحضور اللافت، قوّة الذاكرة، والذكاء وسرعة البديهة.

وختاماً أقول إنني لست أنتصر للون شعريّ على الآخر، فلكلّ منهما مقامه ومناسباته. لكنّ الحقيقة تلزمني بالإقرار بأنّ الزجل، ابن العربية المحكية، هو فنّ شعبيّ لصيق بحياة الناس اليومية، فلا تكاد تخلو قرية أو دسكرة لبنانية من “قَوّال” يلتفّ حوله الناس في كلّ مناسباتهم الفرِحة والحزينة. أمّا الشعر الفصيح فهو بعيد عنهم، وهم عنه بعيدون. لذلك قلّما أبهوا به أو تفاعلوا معه. يقول مارون عبّود في كتابه “الشعر العاميّ”: يثير شاعرنا العاميّ النفوس إثارة يعجز عنها أكبر شعرائنا الرسميين. إذا أنشد الشاعر العاميّ قصيدة في حفلة، تهتزّ المقاعد والكراسي استحساناً، وتموج الرؤوس كالأغصان تحت أذيال النسيم الولهان. ويتابع: إنّ ما يوحيه إلينا الزجّال لا يأتي بشيء من مثله شاعر اليوم الذي يستوحي الكتب، ويعبّر للناس عن الحياة بألفاظ يدركونها ربع إدراك.

يؤمن كلّ من توماس أليوت وعزرا باوند بأن لغة الشعر يجب أن تقترب كثيراً من لغة الناس المحكية. وهذا نزار قبّاني يقول: من رحم الكلام اليوميّ تخرج القصائد. وأيّ ولادة لا تحدث من هذا الرحم، هي ولادة قيصرية.

ويخطئ كثيراً مَن يعتقد أن البلاغة وألوان البديع من طباق، وجناس، وتورية، ومقابلة، ومراعاة نظير، وردّ أعجاز على صدور… هي وقف على الشعر الفصيح. يقول جبران في كتابه “البدائع والطرائف”: وعندي أنّ في الموّال والزجل والعتابا والمعنّى من الكنايات المستجدّة والاستعارات المستملحة والتعابير الرشيقة المستنبطة ما لو وضعناه بجانب تلك القصائد المنظومة بلغة فصيحة، والتي تملأ جرائدنا ومجلاّتنا، لبانت كباقة من الرياحين بقرب رابية من الحطب، أو كسرب من الصبايا الراقصات المترنّمات قبالة مجموعة من الجثث المحنّطة.

فمتى ستلفت الحكومة ووزارة التربية إلى هذا اللون الشعبيّ من الشعر، وتدرجانه في مناهج التعليم!!!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى